فصل: سورة الطلاق

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المحيط في تفسير القرآن ***


سورة الصف

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 14‏]‏

‏{‏سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏1‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ‏(‏2‏)‏ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ‏(‏3‏)‏ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ‏(‏4‏)‏ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏5‏)‏ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏6‏)‏ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏7‏)‏ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ‏(‏8‏)‏ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ‏(‏9‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏10‏)‏ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏11‏)‏ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏12‏)‏ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏13‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

النداء ب ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏، إن كان للمؤمنين حقيقة، فالاستفهام يراد به التلطف في العتب، وإن كان للمنافقين، فالمعنى ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏‏:‏ أي بألسنتهم، والاستفهام يراد به الإنكار والتوبيخ وتهكم بهم في إسناد الإيمان إليهم، ولم يتعلق بالفعل وحده‏.‏ ووقف عليه بالهاء أو بسكون الميم، ومن سكن في الوقف فلإجرائه مجرى الوقف، والظاهر انتصاب ‏{‏مقتاً‏}‏ على التمييز، وفاعل ‏{‏كبر‏}‏‏:‏ أن ‏{‏تقولوا‏}‏، وهو من التمييز المنقول من الفاعل، والتقدير‏:‏ كبر مقت قولكم ما لا تفعلون‏.‏ ويجوز أن يكون من باب نعم وبئس، فيكون في كبر ضمير مبهم مفسر بالتمييز، وأن تقولوا هو المخصوص بالذم، أي بئس مقتاً قولكم كذا، والخلاف الجاري في المرفوع في‏:‏ بئس رجلاً زيد، جار في ‏{‏أن تقولوا‏}‏ هنا، ويجوز أن يكون في كبر ضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله‏:‏ ‏{‏لم تقولون‏}‏، أي كبر هو، أي القول مقتاً، ومثله كبرت كلمة، أي ما أكبرها كلمة، وأن تقولوا بدل من المضمر، أو خبر ابتداء مضمر‏.‏ وقيل‏:‏ هو من أبنية التعجب، أي ما أكبره مقتاً‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ قصد في كبر التعجب من غير لفظه كقوله‏:‏

غلت ناب كليب بواؤها *** ومعنى التعجب‏:‏ تعظيم الأمر في قلوب السامعين، لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظرائه وأشكاله، وأسند إلى ‏{‏أن تقولوا‏}‏ ونصب ‏{‏مقتاً‏}‏ على تفسيره، دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه لفرط تمكن المقت منه، واختير لفظ المقت لأنه أشدّ البغض، ولم يقتصر على أن جعل البغض كثيراً حتى جعل أشدّه وأفحشه، وعند الله أبلغ من ذلك، لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله فقد تم كبره وشدته‏.‏ انتهى‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ والمقت‏:‏ البغض من أجل ذنب أو ريبة أو دناءة يصنعها الممقوت‏.‏ انتهى‏.‏ وقال المبرد‏:‏ رجل ممقوت ومقيت، إذا كان يبغضه كل أحد‏.‏ انتهى‏.‏ وقرأ زيد بن عليّ‏:‏ يقاتلون بفتح التاء‏.‏ وقيل‏:‏ قرئ يقتلون، وانتصب صفاً على الحال، أي صافين أنفسهم أو مصفوفين، كأنهم فيء في تراصهم من غير فرجة ولا خلل، بنيان رص بعضه إلى بعض‏.‏ والظاهر تشبيه الذوات في التحام بعضهم ببعض بالبنيان المرصوص‏.‏ وقيل‏:‏ المراد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص‏.‏ قيل‏:‏ وفيه دليل على فضل القتال راجلاً، لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة؛ وصفاً وكأنهم، قال الزمخشري‏:‏ حالان متداخلان‏.‏ وقال الحوفي‏:‏ كأنهم في موضع النعت لصفاً‏.‏ انتهى‏.‏ ويجوز أن يكونا حالين من ضمير يقاتلون‏.‏

ولما كان في المؤمنين من يقول ما لا يفعل، وهو راجع إلى الكذب، فإن ذلك في معنى الإذاية للرسول عليه الصلاة والسلام، إذ كان في أتباعه من عانى الكذب، فناسب ذكر قصة موسى وقوله لقومه‏:‏ ‏{‏لم تؤذونني‏}‏، وإذايتهم له كان بانتقاصه في نفسه وجحود آيات الله تعالى واقتراحاتهم عليه ما ليس لهم اقتراحه، ‏{‏وقد تعلمون‏}‏‏:‏ جملة حالية تقتضي تعظيمه وتكريمه، فرتبوا على علمهم أنه رسول الله ما لا يناسب العلم وهو الإذاية، وقد تدل على التحقق في الماضي والتوقع في المضارع، والمضارع هنا معناه المضي، أي وقد علمتم، كقوله‏:‏

‏{‏قد يعلم ما أنتم عليه‏}‏ أي قد علم، ‏{‏قد نرى تقلب‏}‏ وعبر عنه بالمضارع ليدل على استصحاب الفعل، ‏{‏فلما زاغوا‏}‏ عن الحق، ‏{‏أزاغ الله قلوبهم‏}‏‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ بأن منع ألطافه، ‏{‏والله لا يهدي القوم الفاسقين‏}‏‏:‏ لا يلطف بهم، لأنهم ليسوا من أهل اللطف‏.‏ وقال غيره‏:‏ أسند الزيغ إليهم، ثم قال‏:‏ ‏{‏أزاغ الله‏}‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏نسوا الله فأنساهم أنفسهم‏}‏ وهو من العقوبة على الذنب بالذنب، بخلاف قوله‏:‏ ‏{‏ثم تاب عليهم ليتوبوا‏}‏ ولما ذكر شيئاً من قصة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل، ذكر أيضاً شيئاً من قصة عيسى عليه السلام‏.‏ وهناك قال‏:‏ ‏{‏يا قوم‏}‏ لأنه من بني إسرائيل، وهنا قال عيسى‏:‏ ‏{‏يا بني إسرائيل‏}‏ من حيث لم يكن له فيهم أب، وإن كانت أمه منهم‏.‏ ومصدقاً ومبشراً‏:‏ حالان، والعامل رسول، أي مرسل، ويأتي واسمه جملتان في موضع الصفة لرسول أخبر أنه مصدق لما تقدم من كتب الله الإلهية، ولمن تأخر من النبي المذكور، لأن التبشير بأنه رسول تصديق لرسالته‏.‏ وروي أن الحواريين قالوا‏:‏ يا رسول الله هل بعدنا من أمة‏؟‏ قال‏:‏ «نعم، أمة أحمد صلى الله عليه وسلم، حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم بالقليل من العمل» وأحمد علم منقول من المضارع للمتكلم، أو من أحمد أفعل التفضيل، وقال حسان‏:‏

صلى الإله ومن يحف بعرشه *** والطيبون على المبارك أحمد

وقال القشيري‏:‏ بشر كل نبي قومه بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والله أفرد عيسى بالذكر في هذا الموضع لأنه آخر نبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، فبين أن البشارة به عمت جميع الأنبياء واحداً بعد واحد حتى انتهت إلى عيسى عليه السلام‏.‏ والظاهر أن الضمير المرفوع في ‏{‏جاءهم‏}‏ يعود على عيسى لأنه المحدث عنه‏.‏ وقيل‏:‏ يعود على أحمد‏.‏ لما فرغ من كلام عيسى، تطرق إلى الإخبار عن أحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك على سبيل الإخبار للمؤمنين، أي فلما جاء المبشر به هؤلاء الكفار بالمعجزات الواضحة قالوا‏:‏ ‏{‏هذا سحر مبين‏}‏‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ سحر، أي ما جاء به من البينات‏.‏ وقرأ عبد الله وطلحة والأعمش وابن وثاب‏:‏ ساحر، أي هذا الحال ساحر‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ يدعى مبنياً للمفعول؛ وطلحة‏:‏ يدعى مضارع ادعى مبنياً للفاعل، وادعى يتعدى بنفسه إلى المفعول به، لكنه لما ضمن معنى الانتماء والانتساب عدى بإلى‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ أيضاً، وقرأ طلحة بن مصرف‏:‏ وهو يدعى بشد الدال، بمعنى يدعى دعاه وادعاه، نحو لمسه والتمسه‏.‏

‏{‏يريدون‏}‏ الآية‏:‏ تقدم تفسير نظيرها في سورة التوبة‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ أصله‏:‏ ‏{‏يريدون أن يطفئوا‏}‏ كما جاء في سورة براءة، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة تأكيداً له لما فيها من معنى الإرادة في قولك‏:‏ جئتك لأكرمك، كما زيدت اللام في‏:‏ لا أبا لك، تأكيداً لمعنى الإضافة في‏:‏ لا أبا لك‏.‏ انتهى‏.‏ وقال نحوه ابن عطية، قال‏:‏ واللام في قوله‏:‏ ‏{‏يطفئوا‏}‏ لام مؤكدة، دخلت على المفعول لأن التقدير‏:‏ يريدون أن يطفؤا، وأكثر ما تلزم هذه اللام المفعول إذا تقدم، تقول‏:‏ لزيد ضربت، ولرؤيتك قصرت‏.‏ انتهى‏.‏ وما ذكره ابن عطية من أن هذه اللام أكثر ما تلزم المفعول إذا تقدم ليس بأكثر، بل الأكثر‏:‏ زيداً ضربت، من‏:‏ لزيد ضربت‏.‏ وأما قولهما إن اللام للتأكيد، وإن التقدير أن يطفؤا، فالإطفاء مفعول ‏{‏يريدون‏}‏، فليس بمذهب سيبويه والجمهور‏.‏ وقال ابن عباس وابن زيد‏:‏ هنا يريدون إبطال القرآن وتكذيبه بالقول‏.‏ وقال السدي‏:‏ يريدون دفع الإسلام بالكلام‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ هلاك الرسول صلى الله عليه وسلم بالأراجيف‏.‏ وقال ابن بحر‏:‏ إبطال حجج الله بتكذيبهم‏.‏

وعن ابن عباس‏:‏ سبب نزولها أن الوحي أبطأ أربعين يوماً، فقال كعب بن الأشرف‏:‏ يا معشر يهود أبشروا، اطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه وما كان ليتم نوره، فحزن الرسول صلى الله عليه وسلم، فنزلت واتصل الوحي‏.‏ وقرأ العربيان ونافع وأبو بكر والحسن وطلحة والأعرج وابن محيصن‏:‏ ‏{‏متم‏}‏ بالتنوين، ‏{‏نوره‏}‏ بالنصب؛ وباقي السبعة والأعمش‏:‏ بالإضافة‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏تنجيكم‏}‏ مخففاً؛ والحسن وابن أبي إسحاق والأعرج وابن عامر‏:‏ مشدداً‏.‏ والجمهور‏:‏ ‏{‏تؤمنون‏}‏، ‏{‏وتجاهدون‏}‏؛ وعبد الله‏:‏ آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا أمرين؛ وزيد بن علي بالتاء، فيهما محذوف النون فيهما‏.‏ فأما توجيه قراءة الجمهور، فقال المبرد‏:‏ هو بمعنى آمنوا على الأمر، ولذلك جاء يغفر مجزوماً‏.‏ انتهى، فصورته صورة الخبر، ومعناه الأمر، ويدل عليه قراءة عبد الله، ونظيره قوله‏:‏ اتقى الله امرؤ فعل خيراً يثب عليه، أي ليتق الله، وجيء به على صورة الخبر‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ للإيذان بوجوب الامتثال وكأنه امتثل، فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين، ونظيره قول الداعي‏:‏ غفر الله لك ويغفر الله لك، جعلت المغفرة لقوة الرجاء، كأنها كانت ووجدت‏.‏ انتهى‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ هو عطف بيان على تجارة، وهذا لا يتخيل إلا على تقدير أن يكون الأصل أن تؤمنوا حتى يتقدر بمصدر، ثم حذف أن فارتفع الفعل كقوله‏:‏

ألا أيهذا الزاجري احضر الوغا *** يريد‏:‏ أن احضر، فلما حذف أن ارتفع الفعل، فكان تقدير الآية ‏{‏هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم‏}‏‏:‏ إيمان بالله ورسوله وجهاد‏.‏

وقال ابن عطية‏:‏ ‏{‏تؤمنون‏}‏ فعل مرفوع تقديره ذلك أنه تؤمنون‏.‏ انتهى، وهذا ليس بشيء، لأن فيه حذف المبتدأ وحذف أنه وإبقاء الخبر، وذلك لا يجوز‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وتؤمنون استئناف، كأنهم قالوا‏:‏ كيف نعمل‏؟‏ فقال‏:‏ تؤمنون، ثم اتبع المبرد فقال‏:‏ هو خبر في معنى الأمر، وبهذا أجيب بقوله‏:‏ ‏{‏يغفر لكم‏}‏‏.‏ انتهى‏.‏ وأما قراءة عبد الله فظاهرة المعنى وجواب الأمر يغفر، وأما قراءة زيد فتتوجه على حذف لام الأمر، التقدير‏:‏ لتؤمنوا، كقول الشاعر‏:‏

قلت لبواب على بابها *** تأذن لي أني من أحمائها

يريد‏:‏ لتأذن، ويغفر مجزوم على جواب الأمر في قراءة عبد الله وقراءة زيد، وعلي تقدير المبرد‏.‏ وقال الفراء‏:‏ هو مجزوم على جواب الاستفهام، وهو قوله‏:‏ ‏{‏هل أدلكم‏}‏، واستبعد هذا التخريج‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ليسوا إذا دلهم على ما ينفعهم يغفر لهم، إنما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا‏.‏ وقال المهدوي‏:‏ إنما يصح حملاً على المعنى، وهو أن يكون تؤمنون وتجاهدون عطف بيان على قوله‏:‏ ‏{‏هل أدلكم‏}‏، كأن التجارة لم يدر ما هي، فبينت بالإيمان والجهاد، فهي هما في المعنى، فكأنه قال‏:‏ هل تؤمنون وتجاهدون‏؟‏ قال‏:‏ فإن لم تقدر هذا التقدير لم يصح، لأنه يصير‏:‏ إن دللتم يغفر لكم، والغفران إنما يجب بالقبول والإيمان لا بالدلالة‏.‏ وقال الزمخشري نحوه، قال‏:‏ وجهه أن متعلق الدلالة هو التجارة، والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد، فكأنه قال‏:‏ هل تتحرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم‏؟‏ انتهى، وتقدم شرح بقية الآية‏.‏

ولما ذكر تعالى ما يمنعهم من الثواب في الآخرة، ذكر ما يسرهم في العاجلة، وهي ما يفتح عليهم من البلاد‏.‏ ‏{‏وأخرى‏}‏‏:‏ صفة لمحذوف، أي ولكم مثوية أخرى، أو نعمة أخرى عاجلة إلى هذه النعمة الآجلة‏.‏ فأخرى مبتدأ وخبره المقدر لكم، وهو قول الفراء، ويرجحه البدل منه بقوله‏:‏ ‏{‏نصر من الله‏}‏، و‏{‏تحبونها‏}‏ صفة، أي محبوبة إليكم‏.‏ وقال قوم‏:‏ وأخرى في موضع نصب بإضمار فعل، أي ويمنحكم أخرى؛ ونصر خبر مبتدأ، أي ذلك، أو هو نصر‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ وأخرى في موضع جر عطفاً على تجارة، وضعف هذا القول لأن هذه الأخرى ليست مما دل عليه، إنما هي من الثواب الذي يعطيهم الله على الإيمان والجهاد بالنفس والمال‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏نصر‏}‏ بالرفع، وكذا ‏{‏وفتح قريب‏}‏؛ وابن أبي عبلة‏:‏ بالنصب فيها ثلاثتها، ووصف أخرى بتحبونها، لأن النفس قد وكلت بحب العاجل، وفي ذلك تحريض على ما يحصل ذلك، وهو الإيمان والجهاد‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وفي تحبونها شيء من التوبيخ على محبة العاجل، قال‏:‏ فإن قلت‏:‏ لم نصب من قرأ نصراً من الله وفتحاً قريباً‏؟‏ قلت‏:‏ يجوز أن ينصب على الاختصاص، أو على ينصرون نصراً ويفتح لكم فتحاً، أو على ‏{‏يغفر لكم‏}‏ و‏{‏لهم جنات‏}‏ ويؤتكم أخرى نصراً وفتحاً قريباً‏.‏

فإن قلت علام عطف قوله‏:‏ ‏{‏وبشر المؤمنين‏}‏‏؟‏ قلت‏:‏ على ‏{‏تؤمنون‏}‏، لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل‏:‏ آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم، وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك‏.‏ انتهى‏.‏

‏{‏كونوا أنصار الله‏}‏‏:‏ ندب المؤمنين إلى النصرة ووضع لهم هذا الاسم، وإن كان قد صار عرفاً للأوس والخزرج، وسماهم الله به‏.‏ وقرأ الأعرج وعيسى وأبو عمرو والحرميان‏:‏ أنصاراً لله بالتنوين؛ والحسن والجحدري وباقي السبعة‏:‏ بالإضافة إلى الله، والظاهر أن كما في موضع نصب على إضمار، أي قلنا لكم ذلك كما قال عيسى‏.‏ وقال مكي‏:‏ نعت لمصدر محذوف، والتقدير‏:‏ كونوا كوناً‏.‏ وقيل‏:‏ نعت لأنصاراً، أي كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال‏:‏ ‏{‏من أنصاري إلى الله‏}‏‏.‏ انتهى‏.‏ والحواريون اثنا عشر رجلاً، وهم أول من آمن بعيسى، بثهم عيسى في الآفاق، بعث بطرس وبولس إلى رومية، وأندارس ومتى إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس، وبوقاس إلى أرض بابل، وفيليس إلى قرطاجنة وهي إفريقية، ويحنس إلى أقسوس قرية أصحاب الكهف، ويعقوبين إلى بيت المقدس، وابن بليمن إلى أرض الحجاز وتستمر إلى أرض البربر وما حولها، وفي بعض أسمائهم إشكال من جهة الضبط، فليلتمس ذلك من مظانه‏.‏ ‏{‏فأيدنا الذين آمنوا بعيسى على عدوّهم‏}‏‏:‏ وهم الذين كفروا بعيسى، ‏{‏فأصبحوا ظاهرين‏}‏‏:‏ أي قاهرين لهم مستولين عليهم‏.‏ وقال زيد بن عليّ وقتادة‏:‏ ظاهرين‏:‏ غالبين بالحجة والبرهان‏.‏ وقيل‏:‏ أيدنا المسلمين على الفرقتين الضالتين، والله أعلم‏.‏

سورة الجمعة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ‏(‏1‏)‏ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏2‏)‏ وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏3‏)‏ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ‏(‏4‏)‏ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏5‏)‏ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏6‏)‏ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ‏(‏7‏)‏ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏8‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏9‏)‏ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏10‏)‏ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏الملك‏}‏ بجرّه وجر ما بعده؛ وأبو وائل ومسلمة بن محارب ورؤبة وأبو الدّينار الأعرابي‏:‏ بالرفع على إضمار هو، وحسنه الفصل الذي فيه طول بين الموصوف والصفة، وكذلك جاء عن يعقوب‏.‏ وقرأ أبو الدينار وزيد بن عليّ‏:‏ القدوس بفتح القاف؛ والجمهور‏:‏ بالضم‏.‏ ‏{‏هو الذي بعث‏}‏ الآية‏:‏ تقدم الكلام في نظيرها في آل عمران وفي نسبة الأمّي‏.‏

‏{‏وآخرين‏}‏‏:‏ الظاهر أنه معطوف على ‏{‏الأمّيين‏}‏، أي وفي آخرين من الأمّيين لم يلحقوا بهم بعد، وسيلحقون‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏وآخرين‏}‏ منصوب معطوف على الضمير في ‏{‏ويعلمهم‏}‏، أسند تعليم الآخرين إليه عليه الصلاة والسلام مجازاً لما تناسق التعليم إلى آخر الزمان وتلا بعضه بعضاً، فكأنه عليه الصلاة والسلام وجد منه‏.‏ وقال أبو هريرة وغيره‏:‏ وآخرين هم فارس، وجاء نصاً عنه في صحيح البخاري ومسلم، ولو فهم منه الحصر في فارس لم يجز أن يفسر به الآية، ولكن فهم المفسرون منه أنه تمثيل‏.‏ فقال مجاهد وابن جبير‏:‏ الروم والعجم‏.‏ وقال مجاهد أيضاً وعكرمة ومقاتل‏:‏ التابعين من أبناء العرب لقوله‏:‏ ‏{‏منهم‏}‏، أي في النسب‏.‏ وقال مجاهد أيضاً والضحاك وابن حبان‏:‏ طوائف من الناس‏.‏ وقال ابن عمر‏:‏ أهل اليمن‏.‏ وعن مجاهد أيضاً‏:‏ أبناء الأعاجم؛ وعن ابن زيد أيضاً‏:‏ هم التابعون؛ وعن الضحاك أيضاً‏:‏ العجم؛ وعن أبي روق‏:‏ الصغار بعد الكبار، وينبغي أن تحمل هذه الأقوال على التمثيل، كما حملوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم في فارس‏:‏ ‏{‏وهو العزيز الحكيم‏}‏ في تمكينه رجلاً أمّياً من ذلك الأمر العظيم، وتأييده واختياره من سائر البشر‏.‏

‏{‏ذلك فضل الله‏}‏‏:‏ أي إيتاء النبوة وجعله خير خلقه واسطة بينه وبين خلقه‏.‏ ‏{‏مثل الذين حملوا التوراة‏}‏‏:‏ هم اليهود المعاصرون للرسول صلى الله عليه وسلم، كلفوا القيام بأوامرها ونواهيها، ولم يطيقوا القيام بها حين كذّبوا الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي ناطقة بنبوته‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ حملوا مشدداً مبنياً للمفعول؛ ويحيى بن يعمر وزيد بن عليّ‏:‏ مخففاً مبنياً للفاعل‏.‏ شبه صفتهم بصفة الحمار الذي يحمل كتباً، فهو لا يدري ما عليه، أكتب هي أم صخر وغير ذلك‏؟‏ وإنما يدرك من ذلك ما يلحقه من التعب بحملها‏.‏ وقال الشاعر في نحو ذلك‏:‏

زوامل للأشعار لا علم عندهم *** بجيدها إلا كعلم الأباعر

لعمرك ما يدري البعير إذا غدى *** بأوساقه أو راح ما في الغرائر

وقرأ عبد الله‏:‏ حمار منكراً؛ والمأمون بن هارون‏:‏ يحمل بشد الميم مبنياً للمفعول‏.‏ والجمهور‏:‏ الحمار معرفاً، ويحمل مخففاً مبنياً للفاعل، ويحمل في موضع نصب على الحال‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ أو الجر على الوصف، لأن الحمار كاللئيم في قوله‏:‏

ولقد أمر على اللئيم يسبني *** انتهى‏.‏

وهذا الذي قاله قد ذهب إليه بعض النحويين، وهو أن مثل هذا من المعارف يوصف بالجمل، وحملوا عليه

‏{‏وآية لهم الليل نسلخ منه النهار‏}‏ وهذا وأمثاله عند المحققين في موضع الحال، لا في موضع الصفة‏.‏ ووصفه بالمعرفة ذي اللام دليل على تعريفه مع ما في ذلك المذهب من هدم ما ذكره المتقدمون من أن المعرفة لا تنعت إلا بالمعرفة، والجمل نكرات‏.‏ ‏{‏بئس مثل القوم‏}‏‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ بئس مثلاً مثل القوم‏.‏ انتهى‏.‏ فخرجه على أن يكون التمييز محذوفاً، وفي بئس ضمير يفسره مثلاً الذي ادعى حذفه‏.‏ وقد نص سيبويه على أن التمييز الذي يفسره الضمير المستكن في نعم وبئس وما أجري مجراهما لا يجوز حذفه‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ والتقدير بئس المثل مثل القوم‏.‏ انتهى‏.‏ وهذا ليس بشيء، لأن فيه حذف الفاعل، وهو لا يجوز‏.‏ والظاهر أن ‏{‏مثل القوم‏}‏ فاعل ‏{‏بئس‏}‏، والذين كفروا هو المخصوص بالذم على حذف مضاف، أي مثل الذين كذبوا بآيات الله، وهم اليهود، أو يكون ‏{‏الذين كذبوا‏}‏ صفة للقوم، والمخصوص بالدم محذوف، التقدير‏:‏ بئس مثل القوم المكذبين مثلهم، أي مثل هؤلاء الذين حملوا التوراة‏.‏

روي أنه لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، كتبت يهود المدينة ليهود خيبر‏:‏ إن اتبعتموه أطعناكم، وإن خالفتموه خالفناه، فقالوا لهم‏:‏ نحن أبناء خليل الرحمن، ومنا عزير بن الله والأنبياء، ومتى كانت النبوة في العرب نحن أحق بها من محمد، ولا سبيل إلى اتباعه، فنزلت‏:‏ ‏{‏قل يا أيها الذين هادوا‏}‏، وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه، وإن كان قولكم حقاً فتمنوا أن تنقلوا سريعاً إلى دار كرامته المعدة لأوليائه، وتقدم تفسير نظير بقية الآية في سورة البقرة‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏فتمنوا الموت‏}‏، بضم الواو؛ وابن يعمر وابن أبي إسحاق وابن السميفع‏:‏ بكسرها؛ وعن ابن السميفع أيضاً‏:‏ فتحها‏.‏ وحكى الكسائي عن بعض الأعراب أنه قرأ بالهمز مضمومة بدل الواو، وهذا كقراءة من قرأ‏:‏ تلؤون بالهمز بدل الواو‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ ولا فرق بين لا ولن في أن كل واحد منهما نفي للمستقبل، إلا أن في لن تأكيداً وتشديداً ليس في لا، فأتى مرة بلفظ التأكيد‏:‏ ‏{‏ولن يتمنوه‏}‏ ومرة بغير لفظه‏:‏ ‏{‏ولا يتمنونه‏}‏، وهذا منه رجوع عن مذهبه في أن لن تقتضي النفي على التأبيد إلى مذهب الجماعة في أنها لا تقتضيه، وأما قوله‏:‏ إلا أن في لن تأكيداً وتشديداً ليس في لا، فيحتاج ذلك إلى نقل عن مستقري اللسان‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏فإنه‏}‏، والفاء دخلت في خبر إن إذا جرى مجرى صفته، فكان إن باشرت الذي، وفي الذي معنى الشرط، فدخلت الفاء في الخبر، وقد منع هذا قوم، منهم الفراء، وجعلوا الفاء زائدة‏.‏ وقرأ زيد بن علي‏:‏ إنه بغير فاء، وخرجه الزمخشري على الاستئناف، وخبر إن هو الذي، كأنه قال‏:‏ قل إن الموت هو الذي تفرون منه‏.‏

انتهى‏.‏ ويحتمل أن يكون خبر أن هو قوله‏:‏ أنه ملاقيكم، فالجملة خبر إن، ويحتمل أن يكون إنه توكيداً، لأن الموت وملاقيكم خبر إن‏.‏ لما طال الكلام، أكد الحرف مصحوباً بضمير الاسم الذي لإن‏.‏

‏{‏إذا نودي‏}‏‏:‏ أي إذا أذن، وكان الأذان عند قعود الإمام على المنبر‏.‏ وكذا كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان إذا صعد على المنبر أذن على باب المسجد، فإذا نزل بعد الخطبة أقيمت الصلاة‏.‏ وكذا كان في عهد أبي بكر وعمر إلى زمان عثمان، كثر الناس وتباعدت المنازل، فزاد مؤذناً آخر على داره التي تسمى الزوراء، فإذا جلس على المنبر أذن الثاني، فإذا نزل من المنبر أقيمت الصلاة، ولم يعب ذلك أحد على عثمان رضى الله عنه‏.‏ فإن قلت‏:‏ من في قوله‏:‏ ‏{‏من يوم الجمعة‏}‏ ما هي‏؟‏ قلت‏:‏ هي بيان لإذا وتفسير له‏.‏ انتهى‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ الجمعة بضم الميم؛ وابن الزبير وأبو حيوة وابن أبي عبلة، ورواية عن أبي عمرو وزيد بن علي والأعمش‏:‏ بسكونها، وهي لغة تميم، ولغة بفتحها لم يقرأ بها، وكان هذا اليوم يسمى عروبة، ويقال‏:‏ العروبة‏.‏ قيل‏:‏ أول من سماه الجمعة كعب بن لؤي، وأول جمعة صليت جمعة سعد بن أبي زرارة، صلى بهم ركعتين وذكرهم، فسموهم يوم الجمعة لاجتماعهم فيه، فأنزل الله آية الجمعة، فهي أول جمعة جمعت في الإسلام‏.‏

وأما أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لما قدم المدينة، نزل بقباء على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة، فأدرك صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف، في بطن واد لهم، فخطب وصلى الجمعة‏.‏ والظاهر وجوب السعي لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاسعوا إلى ذكر الله‏}‏، وأنه يكون في المشي خفة وبدار‏.‏ وقال الحسن وقتادة ومالك وغيرهم‏:‏ إنما تؤتى الصلاة بالسكينة، والسعي هو بالنية والإرادة والعمل، وليس الإسراع في المشي، كالسعي بين الصفا والمروة؛ وإنما هو بمعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن ليس للإنسان إلا ما سعى‏}‏ فالقيام والوضوء ولبس الثوب والمشي كله سعي‏.‏ والظاهر أن الخطاب بالأمر بالسعي للمؤمنين عموماً، وأنهما فرض على الأعيان‏.‏ وعن بعض الشافعية، أنها فرض كفاية، وعن مالك رواية شاذة‏:‏ أنها سنة‏.‏ وقال القاضي أبو بكر بن العربي‏:‏ ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «الرواح إلى الجمعة واجب على كل مسلم» وقالوا‏:‏ المأمور بالسعي المؤمن الصحيح الحر الذكر المقيم‏.‏ فلو حضر غيره أجزأتهم‏.‏ انتهى‏.‏

والمسافة التي يسعى منها إلى صلاة الجمعة لم تتعرض الآية لها، واختلف الفقهاء في ذلك‏.‏ فقال ابن عمرو وأبو هريرة وأنس والزهري‏:‏ ستة أميال‏.‏ وقيل‏:‏ خمسة‏.‏

وقال ربيعة‏:‏ أربعة أميال‏.‏ وروي ذلك عن الزهري وابن المنكدر‏.‏ وقال مالك والليث‏:‏ ثلاثة‏.‏ وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ على من في المصر، سمع النداء أو لم يسمع، لا على من هو خارج المصر، وإن سمع النداء‏.‏ وعن ابن عمر وابن المسيب والزهري وأحمد وإسحاق‏:‏ على من سمع النداء‏.‏ وعن ربيعة‏:‏ على من إذا سمع النداء وخرج من بيته ماشياً أدرك الصلاة‏.‏ وقرأ كبراء من الصحابة والتابعين‏:‏ فامضوا بدل ‏{‏فاسعوا‏}‏، وينبغي أن يحمل على التفسير من حيث أنه لا يراد بالسعي هنا الإسراع في المشي، ففسروه بالمضي، ولا يكون قرآناً لمخالفته سواد ما أجمع عليه المسلمون‏.‏

وذكر الله هنا الخطبة، قاله ابن المسيب، وهي شرط في انعقاد الجمعة عند الجمهور‏.‏ وقال الحسن‏:‏ هي مستحبة، والظاهر أنه يجزئ من ذكر الله تعالى ما يسمى ذكراً‏.‏ قال أبو حنيفة‏:‏ لو قال الحمد لله أو سبحان الله واقتصر عليه جاز، وقال غيره‏:‏ لا بد من كلام يسمى خطبة، وهو قول الشافعي وأبي سفيان ومحمد بن الحسن، والظاهر تحريم البيع، وأنه لا يصح‏.‏ وقال ابن العربي‏:‏ يفسخ، وهو الصحيح‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ ينعقد ولا يفسخ، وكلما يشغل من العقود كلها فهو حرام شرعاً، مفسوخ ورعاً‏.‏ انتهى‏.‏ وإنما ذكر البيع من بين سائر المحرمات، لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق، إذ يكثر الوافدون الأمصار من القرى ويجتمعون للتجارة إذا تعالى النهار، فأمروا بالبدار إلى تجارة الآخرة، ونهوا عن تجارة الدنيا، ووقت التحريم من الزوال إلى الفراغ من الصلاة، قاله الضحاك والحسن وعطاء‏.‏ وقال ناس غيرهم‏:‏ من وقت أذان الخطبة إلى الفراغ، والإشارة بذلكم إلى السعي وترك البيع، والأمر بالانتشار والابتغاء أمر إباحة، وفضل الله هو ما يلبسه في حالة حسنة، كعيادة المريض، وصلة صديق، واتباع جنازة، وأخذ في بيع وشراء، وتصرفات دينية ودنيوية؛ فأمر مع ذلك بإكثار ذكر الله‏.‏ وقال مكحول والحسن وابن المسيب‏:‏ الفضل‏:‏ المأمور بابتغائه هو العلم‏.‏ وقال جعفر الصادق‏:‏ ينبغي أن يكون فجر صبح يوم السبت، ويعني أن يكون بقية يوم الجمعة في عبادة‏.‏

وروي أنه كان أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر، فقدم دحية بعير تحمل ميرة‏.‏ قال مجاهد‏:‏ وكان من عرفهم أن يدخل بالطبل والمعازف من درابها، فدخلت بها، فانفضوا إلى رؤية ذلك وسماعه، وتركوه صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر في اثني عشر رجلاً‏.‏ قال جابر‏:‏ أنا أحدهم‏.‏ قال أبو بكر غالب بن عطية‏:‏ هم العشرة المشهود لهم بالجنة، والحادي عشر قيل‏:‏ عمار‏.‏ وقيل‏:‏ ابن مسعود‏.‏ وقيل‏:‏ ثمانية، قالوا‏:‏ فنزلت‏:‏ ‏{‏وإذا رأوا تجارة‏}‏‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏إليها‏}‏ بضمير التجارة؛ وابن أبي عبلة‏:‏ إليه بضمير اللهو، وكلاهما جائز، نص عليه الأخفش عن العرب‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ وقال إليها ولم يقل إليهما تهمماً بالأهم، إذ كانت سبب اللهو، ولم يكن اللهو سببها‏.‏

وتأمّل أن قدّمت التجارة على اللهو في الرؤية لأنها أهم، وأخرت مع التفضيل لتقع النفس أولاً على الأبين‏.‏ انتهى‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏قائماً‏}‏ دلالة على مشروعية القيام في الخطبة‏.‏ وأول من استراح في الخطبة عثمان، وأول من خطب جالساً معاوية‏.‏ وقرئ‏:‏ إليهما بالتثنية للضمير، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما‏}‏ وتخريجه على أن يتجوّز بأو، فتكون بمعنى الواو، وقد تقدّم غير هذا التخريج في قوله‏:‏ ‏{‏فالله أولى بهما‏}‏ في موضعه في سورة النساء‏.‏ وناسب ختمها بقوله‏:‏ ‏{‏والله خير الرازقين‏}‏، لأنهم كانوا قد مسهم شيء من غلاء الأسعار، كما تقدم في سبب النزول، وقد ملأ المفسرون كثيراً من أوراقهم بأحكام وخلاف في مسائل الجمعة مما لا تعلق لها بلفظ القرآن‏.‏

سورة المنافقون

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ‏(‏1‏)‏ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏2‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏3‏)‏ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ‏(‏4‏)‏ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ‏(‏5‏)‏ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏6‏)‏ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏7‏)‏ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏8‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏9‏)‏ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏10‏)‏ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏قالوا نشهد‏}‏‏:‏ يجري مجرى اليمين، ولذلك تلقى بما يتلقى به القسم، وكذا فعل اليقين‏.‏ والعلم يجري مجرى القسم بقوله‏:‏ ‏{‏إنك لرسول الله‏}‏ وأصل الشهادة أن يواطئ اللسان القلب هذا بالنطق، وذلك بالاعتقاد؛ فأكذبهم الله وفضحهم بقوله‏:‏ ‏{‏والله يشهد إن المنافقين لكاذبون‏}‏‏:‏ أي لم تواطئ قلوبهم ألسنتهم على تصديقك، واعتقادهم أنك غير رسول، فهم كاذبون عند الله وعند من خبر حالهم، أو كاذبون عند أنفسهم، إذ كانوا يعتقدون أن قولهم‏:‏ ‏{‏إنك لرسول الله‏}‏ كذب‏.‏ وجاء بين شهادتهم وتكذيبهم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله يعلم إنك لرسوله‏}‏، إيذاناً أن الأمر كما لفظوا به من كونه رسول الله حقاً‏.‏ ولم تأت هذه الجملة لتوهم أن قولهم هذا كذب، فوسطت الأمر بينهما ليزول ذلك التوهم‏.‏ ‏{‏اتخذوا أيمانهم‏}‏‏:‏ سمى شهادتهم تلك أيماناً‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ أيمانهم، بفتح الهمزة جمع يمين؛ والحسن‏:‏ بكسرها، مصدر آمن‏.‏ ولما ذكر أنهم كاذبون، أتبعهم بموجب كفرهم، وهو اتخاذ أيمانهم جنة يستترون بها، ويذبون بها عن أنفسهم وأموالهم، كما قال بعض الشعراء‏:‏

وما انتسبوا إلى الإسلام إلا *** لصون دمائهم أن لا تسالا

ومن أيمانهم أيمان عبد الله، ومن حلف معه من قومه أنه ما قال ما نقله زيد بن أرقم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعلوا تلك الأيمان جنة تقي من القتل، وقال أعشى همدان‏:‏

إذا أنت لم تجعل لعرضك جنة *** من المال سار القوم كل مسير

وقال الضحاك‏:‏ اتخذوا حلفهم بالله أنهم لمنكم‏.‏ وقال قتادة‏:‏ كلما ظهر شيء منهم يوجب مؤاخذتهم، حلفوا كاذبين عصمة لأموالهم ودمائهم‏.‏ وقال السدي‏:‏ ‏{‏جنة‏}‏ من ترك الصلاة عليهم إذا ماتوا، ‏{‏فصدوا‏}‏‏:‏ أي أعرضوا وصدوا اليهود والمشركين عن الدخول في الإسلام، ‏{‏ذلك‏}‏ أي ذلك الحلف الكاذب والصد المقتضيان لهم سوء العمل بسبب أيمانهم ثم كفرهم‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ ذلك إشارة إلى فعل الله بهم في فضيحتهم وتوبيخهم، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى سوء ما عملوا، فالمعنى‏:‏ ساء عملهم بأن كفروا‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ذلك القول الشاهد عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالاً بسبب أنهم آمنوا ثم كفروا، أو إلى ما وصف من حالهم في النفاق والكذب والاستخفاف بالإيمان، أي ذلك كله بسبب أنهم آمنوا ثم كفروا‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏فطبع‏}‏ مبنياً للمفعول؛ وزيد بن علي‏:‏ مبنياً للفاعل‏:‏ أي فطبع الله؛ وكذا قراءة الأعمش وزيد في رواية مصرحاً بالله‏.‏ ويحتمل على قراءة زيد الأولى أن يكون الفاعل ضميراً يعود على المصدر المفهوم من ما قبله، أي فطبع هو، أي بلعبهم بالدين‏.‏ ومعنى ‏{‏آمنوا‏}‏‏:‏ نطقوا بكلمة الشهادة وفعلوا كما يفعل المسلمون، ‏{‏ثم كفروا‏}‏‏:‏ أي ظهر كفرهم بما نطقوا به من قولهم‏:‏ لئن كان محمد ما يقوله حقاً فنحن شر من الحمير، وقولهم‏:‏ أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر‏؟‏ هيهات، أو نطقوا بالإيمان عند المؤمنين وبالكفر عند شياطينهم، أو ذلك فيمن آمن ثم ارتد‏.‏

‏{‏وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم‏}‏‏:‏ الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو للسامع‏:‏ أي لحسنها ونضارتها وجهارة أصواتهم، فكان منظرهم يروق، ومنطقهم يحلو‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏تسمع‏}‏ بتاء الخطاب؛ وعكرمة وعطية العوفي‏:‏ يسمع بالياء مبنياً للمفعول، و‏{‏لقولهم‏}‏‏:‏ الجار والمجرور هو المفعول الذي لم يسم فاعله، وليست اللام زائدة، بل ضمن يسمع معنى يصغ ويمل، تعدى باللام وليست زائدة، فيكون قولهم هو المسموع‏.‏ وشبهوا بالخشب لعزوب أفهامهم وفراغ قلوبهم من الإيمان، ولم يكن حتى جعلها مسندة إلى الحائط، لا انتفاع بها لأنها إذا كانت في سقف أو مكان ينتفع بها، وأما إذا كانت غير منتفع بها فإنها تكون مهملة مسندة إلى الحيطان أو ملقاة على الأرض قد صففت، أو شهوة بالخشب التي هي الأصنام وقد أسندت إلى الحيطان، والجملة التشبيهية مستأنفة، أو على إضمارهم‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏خشب‏}‏ بضم الخاء والشين؛ والبراء بن عازب والنحويان وابن كثير‏:‏ بإسكان الشين، تخفيف خشب المضموم‏.‏ وقيل‏:‏ جمع خشباء، كحمر جمع حمراء، وهي الخشبة التي نخر جوفها، شبهوا بها في فساد بواطنهم‏.‏ وقرأ ابن المسيب وابن جبير‏:‏ خشب بفتحتين، اسم جنس، الواحد خشبة، وأنث وصفه كقوله‏:‏ ‏{‏أعجاز نخل خاوية‏}‏ أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام‏.‏ وذكر ممن كان ذا بهاء وفصاحة عبد الله بن أبيّ، والجد بن قيس، ومعتب بن قشير‏.‏ قال الشاعر في مثل هؤلاء‏:‏

لا تخدعنك اللحى ولا الصور *** تسعة أعشار من ترى بقر

تراهم كالسحاب منتشرا *** وليس فيها لطالب مطر

في شجر السرو منهم شبه *** له رواء وما له ثمر

وقيل‏:‏ الجملة التشبيهية وصف لهم بالجبن والخور، ويدل عليه‏:‏ ‏{‏يحسبون كل صيحة عليهم‏}‏ في موضع المفعول الثاني ليحسبون، أي واقعة عليهم، وذلك لجبنهم وما في قلوبهم من الرعب‏.‏ قال مقاتل‏:‏ كانوا متى سمعوا بنشدان ضالة أو صياحاً بأي وجه كان، أو أخبروا بنزول وحي، طارت عقولهم حتى يسكن ذلك ويكون في غير شأنهم، وكانوا يخافون أن ينزل الله تعالى فيهم ما تباح به دماؤهم وأموالهم، ونحو هذا قول الشاعر‏:‏

يروعه السرار بكل أرض *** مخافة أن يكون به السرار

وقال جرير‏:‏

ما زلت تحسب كل شيء بعدهم *** خيلاً تكر عليهم ورجالا

أنشده ابن عطية لجرير، ونسب هذا البيت الزمخشري للأخطل‏.‏ قال‏:‏ ويجوز أن يكون ‏{‏هم العدو‏}‏ المفعول الثاني كما لو طرحت الضمير‏.‏ فإن قلت‏:‏ فحقه أن يقول‏:‏ هي العدو‏.‏ قلت‏:‏ منظور فيه إلى الخبر، كما ذكر في هذا ربي، وأن يقدر مضاف محذوف على يحسبون كل أهل صيحة‏.‏

انتهى‏.‏ وتخريج ‏{‏هم العدو‏}‏ على أنه مفعول ثان ليحسبون تخريج متكلف بعيد عن الفصاحة، بل المتبادر إلى الذهن السليم أن يكون ‏{‏هم العدو‏}‏ إخباراً منه تعالى بأنهم، وإن أظهروا الإسلام وأتباعهم، هم المبالغون في عداوتك؛ ولذلك جاء بعده أمره تعالى إياه بحذرهم فقال‏:‏ ‏{‏فاحذرهم‏}‏، فالأمر بالحذر متسبب عن إخباره بأنهم هم العدو‏.‏ و‏{‏قاتلهم الله‏}‏‏:‏ دعاء يتضمن إبعادهم، وأن يدعو عليهم المؤمنون بذلك‏.‏ ‏{‏أنى يؤفكون‏}‏‏:‏ أي كيف يصرفون عن الحق، وفيه تعجب من ضلالهم وجهلهم‏.‏

ولما أخبره تعالى بعداوتهم، أمره بحذرهم، فلا يثق بإظهار مودتهم، ولا بلين كلامهم‏.‏ و‏{‏قاتلهم الله‏}‏‏:‏ كلمة ذم وتوبيخ، وقالت العرب‏:‏ قاتله الله ما أشعره‏.‏ يضعونه موضع التعجب، ومن قاتله الله فهو مغلوب، لأنه تعالى هو القاهر لكل معاند‏.‏ وكيف استفهام، أي كيف يصرفون عن الحق ولا يرون رشد أنفسهم‏؟‏ قال ابن عطية‏:‏ ويحتمل أن يكون أنى ظرفاً لقاتلهم، كأنه قال‏:‏ قاتلهم الله كيف انصرفوا أو صرفوا، فلا يكون في هذا القول استفهام على هذا‏.‏ انتهى‏.‏ ولا يصح أن يكون أنى لمجرد الظرف، بل لا بد يكون ظرفاً استفهاماً، إما بمعنى أين، أو بمعنى متى، أو بمعنى كيف، أو شرطاً بمعنى أين‏.‏ وعلى هذه التقادير لا يعمل فيها ما قبلها، ولا تتجرد لمطلق الظرفية بحال من غير اعتبار ما ذكرناه، فالقول بذلك باطل‏.‏

ولما صدق الله زيد بن أرقم فيما أخبر به عن ابن سلول، مقت الناس ابن سلول ولامه المؤمنون من قومه، وقال له بعضهم‏:‏ امض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعترف بذنبك يستغفر لك، فلوّى رأسه إنكاراً لهذا الرأي، وقال لهم‏:‏ لقد أشرتم عليّ بالإيمان فآمنت، وأشرتم عليّ بأن أعطي زكاة مالي ففعلت، ولم يبق لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد ويستغفر مجزوم على جواب الأمر، ورسول الله يطلب عاملان، أحدهما ‏{‏يستغفر‏}‏، والآخر ‏{‏تعالوا‏}‏؛ فأعمل الثاني على المختار عند أهل البصرة، ولو أعمل الأول لكان التركيب‏:‏ تعالوا يستغفر لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقرأ مجاهد ونافع وأهل المدينة وأبو حيوة وابن أبي عبلة والمفضل وأبان عن عاصم والحسن ويعقوب، بخلاف عنهما‏:‏ ‏{‏لووا‏}‏، بفتح الواو؛ وأبو جعفر والأعمش وطلحة وعيسى وأبو رجاء والأعرج وباقي السبعة‏:‏ بشدها للتكثير‏.‏ وليّ رءوسهم، على سبيل الاستهزاء واستغفار الرسول لهم، هو استتابتهم من النفاق، فيستغفر لهم، إذ كان استغفاره متسبباً عن استتابتهم، فيتوبون وهم يصدون عن المجيء واستغفار الرسول‏.‏ وقرئ‏:‏ يصدون ويصدون، جملة حالية، وأتت بالمضارع ليدل على استمرارهم، ‏{‏وهم مستكبرون‏}‏‏:‏ جملة حالية أيضاً‏.‏

ولما سبق في علمه تعالى أنهم لا يؤمنون البتة، سوى بين استغفاره لهم وعدمه‏.‏ وحكى مكي أنه عليه الصلاة والسلام كان استغفر لهم لأنهم أظهروا له الإسلام‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ نزلت هذه بعد قوله تعالى في براءة أن تستغفر لهم سبعين مرة، وقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «سوف أستغفر لهم زيادة على السبعين»، فنزلت هذه الآية، فلم يبق للاستغفار وجه‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏أستغفرت‏}‏ بهمزة التسوية التي أصلها همزة الاستفهام، وطرح ألف الوصل؛ وأبو جعفر‏:‏ بمدة على الهمزة‏.‏ قيل‏:‏ هي عوض من همزة الوصل، وهي مثل المدة في قوله‏:‏ ‏{‏قل آلذكرين حرم‏}‏ لكن هذه المدة في الاسم لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر، ولا يحتاج ذلك في الفعل، لأن همزة الوصل فيه مكسورة‏.‏ وعن أبي جعفر أيضاً‏:‏ ضم ميم عليهم، إذ أصلها الضم، ووصل الهمزة‏.‏ وروى معاذ بن معاذ العنبري، عن أبي عمرو‏:‏ كسر الميم على أصل التقاء الساكنين، ووصل الهمزة، فتسقط في القراءتين، واللفظ خبر، والمعنى على الاستفهام، والمراد التسوية، وجاز حذف الهمزة لدلالة أم عليها، كما دلت على حذفها في قوله‏:‏

بسبع رمينا الجمر أم بثمان *** يريد‏:‏ أبسبع‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وقرأ أبو جعفر‏:‏ آستغفرت، إشباعاً لهمزة الاستفهام للإظهار والبيان، لا قلب همزة الوصل ألفاً كما في‏:‏ آلسحر، وآلله‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ وقرأ أبو جعفر بن القعقاع‏:‏ آستغفرت، بمدة على الهمزة، وهي ألف التسوية‏.‏ وقرأ أيضاً‏:‏ بوصل الألف دون همز على الخبر، وفي هذا كله ضعف، لأنه في الأولى أثبت همزة الوصل وقد أغنت عنها همزة الاستفهام، وفي الثانية حذف همزة الاستفهام وهو يريدها، وهذا مما لا يستعمل إلا في الشعر‏.‏

‏{‏هم الذين يقولون‏}‏‏:‏ إشارة إلى ابن سلول ومن وافقه من قومه، سفه أحلامهم في أنهم ظنوا أن رزق المهاجرين بأيديهم، وما علموا أن ذلك بيد الله تعالى‏.‏ ‏{‏لا تنفقوا على من عند رسول الله‏}‏‏:‏ إن كان الله تعالى حكى نص كلامهم، فقولهم‏:‏ ‏{‏على من عند رسول الله‏}‏ هو على سبيل الهزء، كقولهم‏:‏ ‏{‏يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون‏}‏ أو لكونه جرى عندهم مجرى اللعب، أي هو معروف بإطلاق هذا اللفظ عليه، إذ لو كانوا مقرين برسالته ما صدر منهم ما صدر‏.‏ فالظاهر أنهم لم ينطقوا بنفس ذلك اللفظ، ولكنه تعالى عبر بذلك عن رسوله صلى الله عليه وسلم، إكراماً له وإجلالاً‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ينفضوا‏}‏‏:‏ أي يتفرقوا عن الرسول؛ والفضل بن عيسى‏:‏ ينفضوا، من انفض القوم‏:‏ فني طعامهم، فنفض الرجل وعاءه، والفعل من باب ما يعدى بغير الهمزة، وبالهمزة لا يتعدى‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ وحقيقته حان لهم أن ينفضوا مزاودهم‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ليخرجن الأعز منها الأذل‏}‏‏:‏ فالأعز فاعل، والأذل مفعول، وهو من كلام ابن سلول، كما تقدم‏.‏ ويعني بالأعز‏:‏ نفسه وأصحابه، وبالأذل‏:‏ المؤمنين‏.‏ والحسن وابن أبي عبلة والسبي في اختياره‏:‏ لنخرجن بالنون، ونصب الأعز والأذل، فالأعز مفعول، والأذل حال‏.‏ وقرأ الحسن، فيما ذكر أبو عمر والداني‏:‏ لنخرجن، بنون الجماعة مفتوحة وضم الراء، ونصب الأعز على الاختصاص، كما قال‏:‏ نحن العرب أقرى الناس للضيف؛ ونصب الأذل على الحال، وحكى هذه القراءة أبو حاتم‏.‏

وحكى الكسائي والفراء أن قوماً قرأوا‏:‏ ليخرجن بالياء مفتوحة وضم الراء، فالفاعل الأعز، ونصب الأذل على الحال‏.‏ وقرئ‏:‏ مبنياً للمفعول وبالياء، الأعز مرفوع به، الأذل نصباً على الحال‏.‏ ومجيء الحال بصورة المعرفة متأول عند البصريين، فما كان منها بأل فعلى زيادتها، لا أنها معرفة‏.‏

ولما سمع عبد الله، ولد عبد الله بن أبي هذه الآية، جاء إلى أبيه فقال‏:‏ أنت والله يا أبت الذليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز‏.‏ فلما دنا من المدينة، جرد السيف عليه ومنعه الدخول حتى يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيما قال له‏:‏ وراءك لا تدخلها حتى تقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز وأنا الأذل، فلم يزل حبيساً في يده حتى أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخليته‏.‏ وفي هذا الحديث أنه قال لأبيه‏:‏ لئن لم تشهد لله ولرسوله بالعزة لأضربن عنقك، قال‏:‏ أفاعل أنت‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فقال‏:‏ أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين‏.‏ وقيل للحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما‏:‏ أن فيك تيهاً، فقال‏:‏ ليس بتيه ولكنه عزة، وتلا هذه الآية‏.‏

‏{‏لا تلهكم أموالكم‏}‏ بالسعي في نمائها والتلذذ بجمعها، ‏{‏ولا أولادكم‏}‏ بسروركم بهم وبالنظر في مصالحهم في حياتكم وبعد مماتكم، ‏{‏عن ذكر الله‏}‏‏:‏ هو عام في الصلاة والثناء على الله تعالى بالتسبيح والتحميد وغير ذلك والدعاء‏.‏ وقال نحواً منه الحسن وجماعة‏.‏ وقال الضحاك وعطاء‏:‏ أكد هنا الصلاة المكتوبة‏.‏ وقال الحسن أيضاً‏:‏ جميع الفرائض‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقيل‏:‏ القرآن‏.‏ ‏{‏ومن يفعل ذلك‏}‏‏:‏ أي الشغل عن ذكر الله بالمال والولد، ‏{‏فأولئك هم الخاسرون‏}‏، حيث آثروا العاجل على الآجل، والفاني على الباقي‏.‏

‏{‏وأنفقوا مما رزقناكم‏}‏، قال الجمهور‏:‏ المراد الزكاة‏.‏ وقيل‏:‏ عام في المفروض والمندوب‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ نزلت في مانعي الزكاة، والله لو رأى خيراً ما سأل الرجعة، فقيل له‏:‏ أما تتقي الله‏؟‏ يسأل المؤمنون الكرة، قال‏:‏ نعم أنا أقرأ عليكم به قرآناً، يعني أنها نزلت في المؤمنين، وهم المخاطبون بها‏.‏ ‏{‏لولا أخرتني‏}‏‏:‏ أي هلا أخرت موتي إلى زمان قليل‏؟‏ وقرأ الجمهور‏:‏ فأصّدّق، وهو منصوب على جواب الرغبة؛ وأبي وعبد الله وابن جبير‏:‏ فأتصدق على الأصل‏.‏ وقرأ جمهور السبعة‏:‏ ‏{‏وأكن‏}‏ مجزوماً‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ ‏{‏وأكن‏}‏ بالجزم عطفاً على محل ‏{‏فأصدق‏}‏، كأنه قيل‏:‏ إن أخرتني أصدق وأكن‏.‏ انتهى‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ عطفاً على الموضع، لأن التقدير‏:‏ إن تؤخرني أصدق وأكن، هذا مذهب أبي علي الفارسي‏.‏ فأما ما حكاه سيبويه عن الخليل فهو غير هذا، وهو أنه جزم وأكن على توهم الشرط الذي يدل عليه بالتمني، ولا موضع هنا، لأن الشرط ليس بظاهر، وإنما يعطف على الموضع، حيث يظهر الشرط كقوله تعالى‏:‏

‏{‏من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم‏}‏ فمن قرأ بالجزم عطف على موضع ‏{‏فلا هادي له‏}‏، لأنه لو وقع هنالك فعل كان مجزوماً‏.‏ انتهى‏.‏ والفرق بين العطف على الموضع والعطف على التوهم‏:‏ أن العامل في العطف على الموضع موجود دون مؤثره، والعامل في العطف على التوهم مفقود وأثره موجود‏.‏ وقرأ الحسن وابن جبير وأبو رجاء وابن أبي إسحاق ومالك بن دينار والأعمش وابن محيصن وعبد الله بن الحسن العنبري وأبو عمرو‏:‏ وأكون بالنصب، عطفاً على ‏{‏فأصدق‏}‏، وكذا في مصحف عبد الله وأبي‏.‏ وقرأ عبيد بن عمير‏:‏ وأكون بضم النون على الاستئناف، أي وأنا أكون، وهو وعد الصلاح‏.‏ ‏{‏ولن يؤخر الله نفساً‏}‏‏:‏ فيه تحريض على المبادرة بأعمال الطاعات حذاراً أن يجيء الأجل، وقد فرط ولم يستعد للقاء الله‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏تعملون‏}‏ بتاء الخطاب، للناس كلهم؛ وأبو بكر‏:‏ بالياء، خص الكفار بالوعيد، ويحتمل العموم‏.‏

سورة التغابن

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 10‏]‏

‏{‏يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏1‏)‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏2‏)‏ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ‏(‏3‏)‏ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏4‏)‏ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏5‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ‏(‏6‏)‏ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ‏(‏7‏)‏ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ‏(‏8‏)‏ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏9‏)‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏10‏)‏‏}‏

ومناسبة هذه السورة لما قبلها‏:‏ أن ما قبلها مشتمل على حال المنافقين، وفي آخرها خطاب المؤمنين، فأتبعه بما يناسبه من قوله‏:‏ ‏{‏هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن‏}‏، هذا تقسيم في الإيمان والكفر بالنظر إلى الاكتساب عند جماعة من المتأولين لقوله‏:‏ كل مولود يولد على الفطرة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فطرة الله التي فطر الناس عليها‏}‏ وقيل‏:‏ ذانك في أصل الخلقة، بدليل ما في حديث النطفة من قول الملك‏:‏ أشقيّ أم سعيد‏؟‏ والغلام الذي قتله الخضر عليه السلام أنه طبع يوم طبع كافراً‏.‏ وما روى ابن مسعود أنه عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ «خلق الله فرعون في البطن كافراً» وحكى يحيى بن زكريا‏:‏ في البطن مؤمناً‏.‏ وعن عطاء بن أبي رباح‏:‏ ‏{‏فمنكم كافر‏}‏ بالله، ‏{‏مؤمن‏}‏ بالكواكب؛ ومؤمن بالله وكافر بالكوكب‏.‏ وقدّم الكافر لكثرته‏.‏ ألا ترى إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقليل من عبادي الشكور‏}‏ وحين ذكر الصالحين قال‏:‏ ‏{‏وقليل ما هم‏}‏ وقال الزمخشري‏:‏ فمنكم آت بالكفر وفاعل له، ومنكم آت بالإيمان وفاعل له، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون‏}‏ والدليل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله بما تعملون بصير‏}‏‏:‏ أي عالم بكفركم وإيمانكم اللذين هما من قبلكم، والمعنى‏:‏ الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق والإيجاد عن العدم، فكان يجب أن تنظروا النظر الصحيح، وتكونوا بأجمعكم عباداً شاكرين‏.‏ انتهى، وهو على طريقة الاعتزال‏.‏ وقال أيضاً‏:‏ وقيل‏:‏ ‏{‏هو الذي خلقكم فمنكم كافر‏}‏ بالخلق‏:‏ هم الدهرية، ‏{‏ومنكم مؤمن‏}‏ به‏.‏ وعن الحسن‏:‏ في الكلام حذف دل عليه تقديره‏:‏ ومنكم فاسق، وكأنه من كذب المعتزلة على الحسن‏.‏ وتقدم الجار والمجرور في قوله‏:‏ ‏{‏له الملك وله الحمد‏}‏، قال الزمخشري‏:‏ ليدل بتقدمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله عز وجل، وذلك لأن الملك على الحقيقة له، لأنه مبدئ كل شيء ومبدعه، والقائم به المهيمن عليه؛ وكذلك الحمد، لأن أصول النعم وفروعها منه‏.‏ وأما ملك غيره فتسليط منه، وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏صوركم‏}‏ بضم الصاد؛ وزيد بن عليّ وأبو رزين‏:‏ بكسرها، والقياس الضم، وهذا تعديد للنعمة في حسن الخلقة، لأن أعضاء بني آدم متصرّفة بجميع ما تتصرّف فيه أعضاء الحيوان، وبزيادة كثيرة فضل بها‏.‏ ثم هو مفضل بحسن الوجه وجمال الجوارح، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم‏}‏ وقيل‏:‏ النعمة هنا إنما هي صورة الإنسان من حيث هو إنسان مدرك عاقل، فهذا هو الذي حسن له حتى لحقته كمالات كثيرة، وتكاد العرب لا تعرف الصورة إلا الشكل، لا المعنى القائم بالصورة‏.‏

ونبه تعالى بعلمه بما في السموات والأرض، ثم بعلمه بما يسر العباد وما يعلنونه، ثم بعلمه بما أكنته الصدور على أنه تعالى لا يغيب عن علمه شيء، لا من الكليات ولا من الجزئيات، فابتدأ بالعلم الشامل للعالم كله، ثم بخاص العباد من سرّهم وإعلانهم، ثم ما خص منه، وهو ما تنطوي عليه صدورهم من خفي الأشياء وكامنها، وهذا كله في معنى الوعيد، إذ هو تعالى المجازي على جميع ذلك بالثواب والعقاب‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ما تسرون وما تعلنون‏}‏ بتاء الخطاب؛ وعبيد عن أبي عمرو، وأبان عن عاصم‏:‏ بالياء‏.‏

‏{‏ألم يأتكم‏}‏‏:‏ الخطاب لقريش، ذكروا بما حل بالكفار قبلهم عاد وثمود وقوم إبراهيم وغيرهم ممن صرح بذكرهم في سورة براءة وغيرها، وقد سمعت قريش أخبارهم، ‏{‏فذاقوا وبال أمرِهم‏}‏‏:‏ أي مكروههم وما يسوؤهم منه‏.‏ ‏{‏ذلك‏}‏‏:‏ أي الوبال، ‏{‏بأنه‏}‏‏:‏ أي بأن الشأن والحديث استبعدوا أن يبعث الله تعالى من البشر رسولاً، كما استبعدت قريش، فقالوا على سبيل الاستغراب‏:‏ ‏{‏أبشر يهدوننا‏}‏، وذلك أنهم يقولون‏:‏ نحن متساوون في البشرية، فأنى يكون لهؤلاء تمييز علينا بحيث يصيرون هداة لنا‏؟‏ وارتفع ‏{‏أبشر‏}‏ عند الجوفي وابن عطية على الابتداء، والخبر ‏{‏يهدوننا‏}‏، والأحسن أن يكون مرفوعاً على الفاعلية، لأن همزة الاستفهام تطلب الفعل، فالمسألة من باب الاشتغال‏.‏ ‏{‏فكفروا‏}‏‏:‏ العطف بالفاء يدل على تعقب كفرهم مجيء الرسل بالبينات، أي لم ينظروا في تلك البينات ولا تأمّلوها، بل عقبوا مجيئها بالكفر، ‏{‏واستغنى الله‏}‏‏:‏ استفعل بمعنى الفعل المجرد، وغناه تعالى أزلي، فالمعنى‏:‏ أنه ظهر تعالى غناه عنهم إذ أهلكهم، وليست استفعل هنا للطلب‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ معناه‏:‏ وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان، ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك‏.‏ انتهى، وفيه دسيسة الاعتزال‏.‏ والزعم‏:‏ تقدم تفسيره، والذين كفروا‏:‏ أهل مكة، وبلى‏:‏ إثبات لما بعد حرف النفي، ‏{‏وذلك على الله يسير‏}‏‏:‏ أي لا يصرفه عنه صارف‏.‏

‏{‏فآمنوا بالله ورسوله‏}‏‏:‏ وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ‏{‏والنور الذي أنزلنا‏}‏‏:‏ هو القرآن، وانتصب ‏{‏يوم يجمعكم‏}‏ بقوله‏:‏ ‏{‏لتنبؤن‏}‏، أو بخبير، بما فيه من معنى الوعيد والجزاء، أو باذكر مضمرة، قاله الزمخشري؛ والأول عن النحاس، والثاني عن الحوفي‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ يجمعكم بالياء وضم العين؛ وروي عنه سكونها وإشمامها الضم؛ وسلام ويعقوب وزيد بن علي والشعبي‏:‏ بالنون‏.‏ ‏{‏ليوم الجمع‏}‏‏:‏ يجمع فيه الأولون والآخرون، وذلك أن كل واحد يبعث طامعاً في الخلاص ورفع المنزلة‏.‏ ‏{‏ذلك يوم التغابن‏}‏‏:‏ مستعار من تغابن القوم في التجارة، وهو أن يغبن بعضهم بعضاً، لأن السعداء نزلوا منازل الأشقياء لو كانوا سعداء، ونزل الأشقياء منازل السعداء لو كانوا أشقياء، وفي الحديث‏:‏ «ما من عبد يدخل الجنة إلا أرى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً، وما من عبد يدخل النار إلا أرى مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة»، وذلك معنى يوم التغابن‏.‏ وعن مجاهد وغيره‏:‏ إذا وقع الجزاء، غبن المؤمنون الكافرين لأنهم يجوزون الجنة وتحصل الكفار في النار‏.‏ وقرأ الأعرج وشيبة وأبو جعفر وطلحة ونافع وابن عامر والمفضل عن عاصم وزيد بن عليّ والحسن بخلاف عنه‏:‏ نكفر وندخله بالنون فيهما؛ والأعمش وعيسى والحسن وباقي السبعة‏:‏ بالياء فيهما‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 18‏]‏

‏{‏مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏11‏)‏ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ‏(‏12‏)‏ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏13‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏14‏)‏ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ‏(‏15‏)‏ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏16‏)‏ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ‏(‏17‏)‏ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏18‏)‏‏}‏

الظاهر إطلاق المصيبة على الرزية وما يسوء العبد، أي في نفس أو مال أو ولد أو قول أو فعل، وخصت بالذكر، وإن كان جميع الحوادث لا تصيب إلا بإذن الله‏.‏ وقيل‏:‏ ويحتمل أن يريد بالمصيبة الحادثة من خير وشر، إذ الحكمة في كونها بأذن الله‏.‏ وما نافية، ومفعول أصاب محذوف، أي ما أصاب أحداً، والفاعل من مصيبة، ومن زائدة، ولم تلحق التاء أصاب، وإن كان الفاعل مؤنثاً، وهو فصيح، والتأنيث لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما تسبق من أمة أجلها‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله‏}‏ أي بإرادته وعلمه وتمكينه‏.‏ ‏{‏ومن يؤمن بالله‏}‏‏:‏ أي يصدق بوجوده ويعلم أن كل حادثة بقضائه وقدره، ‏{‏يهد قلبه‏}‏ على طريق الخير والهداية‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ يهد بالياء، مضارعاً لهدى، مجزوماً على جواب الشرط‏.‏ وقرأ ابن جبير وطلحة وابن هرمز والأزرق عن حمزة‏:‏ بالنون؛ والسلمي والضحاك وأبو جعفر‏:‏ يهد مبنياً للمفعول، قلبه‏:‏ رفع؛ وعكرمة وعمرو بن دينار ومالك بن دينار‏:‏ يهدأ بهمزة ساكنة، قلبه بالرفع‏:‏ يطمئن قلبه ويسكن بإيمانه ولا يكون فيه اضطراب‏.‏ وعمرو بن فايد‏:‏ يهدا بألف بدلاً من الهمزة الساكنة؛ وعكرمة ومالك بن دينار أيضاً‏:‏ يهد بحذف الألف بعد إبدالها من الهمزة الساكنة وإبدال الهمزة ألفاً في مثل يهدأ ويقرأ، ليس بقياس خلافاً لمن أجاز ذلك قياساً، وبنى عليه جواز حذف تلك الألف للجازم، وخرج عليه قول زهير بن أبي سلمى‏:‏

جزى متى يظلم يعاقب بظلمه *** سريعاً وإن لا يبد بالظلم يظلم

أصله‏:‏ يبدأ، ثم أبدل من الهمزة ألفاً، ثم حذفها للجازم تشبيهاً بألف يخشى إذا دخل الجازم‏.‏

ولما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله‏}‏، ثم أمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وحذر مما يلحق الرجل من امرأته وولده بسبب ما يصدر من بعضهم من العداوة، ولا أعدى على الرجل من زوجته وولده إذا كانا عدوين، وذلك في الدنيا والآخرة‏.‏ أما في الدنيا فبإذهاب ماله وعرضه، وأما في الآخرة فبما يسعى في اكتسابه من الحرام لهما، وبما يكسبانه منه بسبب جاهه‏.‏ وكم من امرأة قتلت زوجها وجذمت وأفسدت عقله، وكم من ولد قتل أباه‏.‏ وفي التواريخ وفيما شاهدناه من ذلك كثير‏.‏

وعن عطاء بن أبي رباح‏:‏ أن عوف بن مالك الأشجعي أراد الغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، فاجتمع أهله وولده، فثبطوه وشكوا إليه فراقة، فرق ولم يغز؛ إنه ندم بمعاقبتهم، فنزلت‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ الآية‏.‏

وقيل‏:‏ آمن قوم بالله، وثبطهم أزواجهم وأولادهم عن الهجرة، ولم يهاجروا إلا بعد مدة، فوجدوا غيرهم قد تفقه في الدين، فندموا وأسفوا وهموا بمعاقبة أزواجهم وأولادهم، فنزلت‏.‏

وقيل‏:‏ قالوا لهم‏:‏ أين تذهبون وتدعون بلدكم وعشيرتكم وأموالكم‏؟‏ فغضبوا عليهم وقالوا‏:‏ لئن جمعنا الله في دار الهجرة لم نصبكم بخير‏.‏ فلما هاجروا، منعوهم الخير، فحبوا أن يعفوا عنهم ويردوا إليهم البر والصلة‏.‏ ومن في ‏{‏من أزواجكم وأولادكم‏}‏ للتبعيض، وقد توجد زوجة تسر زوجها وتعينه على مقاصده في دينه ودنياه، وكذلك الولد‏.‏ وقال الشعب العبسي يمدح ولده رباطاً‏:‏

إذا كان أولاد الرجال حزازة *** فأنت الحلال الحلو والبارد العذب

لنا جانب منه دميث وجانب *** إذا رامه الأعداء مركبه صعب

وتأخذه عند المكارم هزة *** كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب

وقال قرمان بن الأعرف في ابنه منازل، وكان عاقاً له، قصيدة فيها بعض طول منها‏:‏

وربيته حتى إذا ما تركته *** أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه

فلما رآني أحسب الشخص أشخصاً *** بعيداً وذا الشخص البعيد أقاربه

تعمد حقي ظالماً ولوى يدي *** لوى يده الله الذي هو غالبه

‏{‏إنما أموالكم وأولادكم فتنة‏}‏‏:‏ أي بلاء ومحنة، لأنهم يوقعون في الإثم والعقوبة، ولا بلاء أعظم منهما‏.‏ وفي باب العداوة جاء بمن التي تقتضي التبعيض، وفي الفتنة حكم بها على الأموال والأولاد على بعضها، وذلك لغلبة الفتنة بهما، وكفى بالمال فتنة قصة ثعلبة بن حاطب، أحد من نزل فيه، ومنهم من عاهد الله‏:‏ ‏{‏لئن آتانا من فضله‏}‏ الآيات‏.‏ وقد شاهدنا من ذكر أنه يشغله الكسب والتجارة في أمواله حتى يصلي كثيراً من الصلوات الخمس فائتة‏.‏ وقد شاهدنا من كان موصوفاً عند الناس بالديانة والورع، فحين لاح له منصب وتولاه، استناب من يلوذ به من أولاده وأقاربه، وإن كان بعض من استنابه صغير السن قليل العلم سيئ الطريقة، ونعوذ بالله من الفتن‏.‏ وقدمت الأموال على الأولاد لأنها أعظم فتنة، ‏{‏كلا إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى‏}‏ شغلتنا أموالنا وأهلونا‏.‏ ‏{‏والله عنده أجر عظيم‏}‏‏:‏ تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة‏.‏ والأجر العظيم‏:‏ الجنة‏.‏

‏{‏فاتقوا الله ما استطعتم‏}‏، قال أبو العالية‏:‏ جهدكم‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هو أن يطاع فلا يعصى، ‏{‏واسمعوا‏}‏ ما توعظون به، ‏{‏وأطيعوا‏}‏ فيما أمرتم به ونهيتم عنه، ‏{‏وأنفقوا‏}‏ فيما وجب عليكم‏.‏ و‏{‏خيراً‏}‏ منصوب بفعل محذوف تقديره‏:‏ وأتوا خيراً، أو على إضمار يكن فيكون خبراً، أو على أنه نعت لمصدر محذوف، أي إنفاقاً خيراً، أو على أنه حال، أو على أنه مفعول ب‏:‏ وأنفقوا خيراً، أي مالاً، أقوال، الأول عن سيبويه‏.‏

ولما أمر بالإنفاق، أكده بقوله‏:‏ ‏{‏إن تقرضوا الله قرضاً حسناً‏}‏، ورتب عليه تضعيف القرض وغفران الذنوب‏.‏ وفي لفظ القرض تلطف في الاستدعاء، وفي لفظ المضاعفة تأكيد للبذل لوجه الله تعالى‏.‏ ثم اتبع جوابي الشرط بوصفين‏:‏ أحدهما عائد إلى المضاعفة، إذ شكره تعالى مقابل للمضاعفة، وحلمه مقابل للغفران‏.‏ قيل‏:‏ وهذا الحض هو في الزكاة المفروضة، وقيل، هو في المندوب إليه‏.‏ وتقدم الخلاف في القراءة في ‏{‏يوق‏}‏ وفي ‏{‏شح‏}‏ وفي ‏{‏يضاعفه‏}‏‏.‏

سورة الطلاق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ‏(‏1‏)‏ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ‏(‏2‏)‏ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏يا أيها النبي‏}‏‏:‏ نداء للنبي صلى الله عليه وسلم، وخطاب على سبيل التكريم والتنبيه، ‏{‏إذا طلقتم‏}‏‏:‏ خطاب له عليه الصلاة والسلام مخاطبة الجمع على سبيل التعظيم، أو لأمته على سبيل تلوين الخطاب، أقبل عليه السلام أولاً، ثم رجع إليهم بالخطاب، أو على إضمار القول، أي قل لأمتك إذا طلقتم، أو له ولأمته، وكأنه ثم محذوف تقديره‏:‏ يا أيها النبي وأمة النبي إذا طلقتم، فالخطاب له ولهم، أي أنت وأمتك، أقوال‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ خص النبي صلى الله عليه وسلم، وعمّ بالخطاب، لأن النبي إمام إمته وقدوتهم‏.‏ كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم‏:‏ يا فلان افعلوا كيت وكيت، إظهاراً لتقدمه واعتباراً لترؤسه، وأنه مدره قومه ولسانهم، والذي يصدرون عن رأيه ولا يستبدون بأمر دونه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وساداً مسد جميعهم‏.‏ انتهى، وهو كلام حسن‏.‏

ومعنى ‏{‏إذا طلقتم‏}‏‏:‏ أي إذا أردتم تطليقهن، والنساء يعني‏:‏ المدخول بهن، وطلقوهن‏:‏ أي أوقعوا الطلاق، ‏{‏لعدتهن‏}‏‏:‏ هو على حذف مضاف، أي لاستقبال عدّتهن، واللام للتوقيت، نحو‏:‏ كتبته لليلة بقيت من شهر كذا، وتقدير الزمخشري هنا حالاً محذوفة يدل عليها المعنى يتعلق بها المجرور، أي مستقبلات لعدتهن، ليس بجيد، لأنه قدر عاملاً خاصاً، ولا يحذف العامل في الظرف والجار والمجرور إذا كان خاصاً، بل إذا كان كوناً مطلقاً‏.‏ لو قلت‏:‏ زيد عندك أو في الدار، تريد‏:‏ ضاحكا عندك أو ضاحكا في الدار، لم يجز‏.‏ فتعليق اللام بقوله‏:‏ ‏{‏فطلقوهن‏}‏، ويجعل على حذف مضاف هو الصحيح‏.‏

وما روي عن جماعة من الصحابة والتابعين، رضي الله تعالى عنهم، من أنهم قرأوا‏:‏ فطلقوهن في قبل عدتهن؛ وعن بعضهم‏:‏ في قبل عدّتهن؛ وعن عبد الله‏:‏ لقبل طهرهن، هو على سبيل التفسير، لا على أنه قرآن، لخلافه سواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون شرقاً وغرباً، وهل تعتبر العدة بالنسبة إلى الأطهار أو الحيض‏؟‏ تقدم ذلك في البقرة في قوله‏:‏ ‏{‏ثلاثة قروء‏}‏ والمراد‏:‏ أن يطلقهن في طهر لم يجامعهن فيه، ثم يخلين حتى تنقضي عدتهن، فإن شاء ردها، وإن شاء أعرض عنها لتكون مهيأة للزوج؛ وهذا الطلاق أدخل في السنة‏.‏ وقال مالك‏:‏ لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة، وكره الثلاث مجموعة أو مفرقة‏.‏ وأبو حنيفة كره ما زاد على الواحدة في طهر واحد، فأما مفرقاً في الأطهار فلا‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ لا بأس بإرسال الطلاق الثلاث، ولا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح، راعى في السنة الوقت فقط، وأبو حنيفة التفريق والوقت‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فطلقوهن‏}‏ مطلق، لا تعرض فيه لعدد ولا لوصف من تفريق أو جمع؛ والجمهور‏:‏ على أنه لو طلق لغير السنة وقع‏.‏ وعن ابن المسيب وجماعة من التابعين‏:‏ أنه لو طلق في حيض أو ثلاث، لم يقع‏.‏

والظاهر أن الخطاب في ‏{‏وأحصوا العدّة‏}‏ للأزواج‏:‏ أي اضبطوا بالحفظ، وفي الإحصاء فوائد مراعاة الرجعة وزمان النفقة والسكنى وتوزيع الطلاق على الأقراء‏.‏ وإذا أراد أن يطلق ثلاثاً، والعلم بأنها قد بانت، فيتزوج بأختها وبأربع سواها‏.‏

ونهى تعالى عن إخراجهنّ من مساكنهنّ حتى تنقضي العدّة، ونهاهنّ أيضاً عن خروجهنّ، وأضاف البيوت إليهنّ لما كان سكناهنّ فيها، ونهيهنّ عن الخروج لا يبيحه إذن الأزواج، إذ لا أثر لإذنهم‏.‏ والإسكان على الزوج، فإن كان ملكه أو بكراء فذاك، أو ملكها فلها عليه أجرته، وسواء في ذلك الرجعية والمبتوبة، وسنة ذلك أن لا تبيت عن بيتها ولا تخرج عنه نهاراً إلا لضرورة، وذلك لحفظ النسب والاحتفاظ بالنساء‏.‏ ‏{‏إلا أن يأتين بفاحشة مبينة‏}‏‏:‏ وهي الزنا، عند قتادة ومجاهد والحسن والشعبي وزيد بن أسلم والضحاك وعكرمة وحماد والليث، ورواه مجاهد عن ابن عباس، فيخرجن للحد‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ البذاء على الاحماء، فتخرج ويسقط حقها في السكنى، وتلزم الإقامة في مسكن تتخذه حفظاً للنسب‏.‏ وعنده أيضاً‏:‏ جميع المعاصي، من سرقة، أو قذف، أو زنا، أو غير ذلك، واختاره الطبري، فيسقط حقها في السكنى‏.‏ وعند ابن عمر والسدي وابن السائب‏:‏ هي خروجها من بيتها خروج انتقال، فيسقط حقها في السكنى‏.‏ وعند قتادة أيضاً‏:‏ نشوزها عن الزوج، فتطلق بسبب ذلك، فلا يكون عليه سكنى؛ وإذا سقط حقها من السكنى أتمت العدّة‏.‏ ‏{‏لا تدري‏}‏ أيها السامع، ‏{‏لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً‏}‏، قال المفسرون‏:‏ الأمر هنا الرغبة في ارتجاعها، والميل إليها بعد انحرافه عنها؛ أو ظهور حمل فيراجعها من أجله‏.‏ ونصب لا تدري على جملة الترجى، فلا تدري معلقة عن العمل، وقد تقدم لنا الكلام على قوله‏:‏ ‏{‏وإن أدري لعله فتنة لكم‏}‏ وذكرنا أنه ينبغي أن يزاد في المعلقات لعل، فالجملة المترجاة في موضع نصب بلا تدري‏.‏

‏{‏فإذا بلغن أجلهن‏}‏‏:‏ أي أشرفن على انقضاء العدّة، ‏{‏فأمسكوهنّ‏}‏‏:‏ أي راجعوهنّ، ‏{‏بمعروف‏}‏‏:‏ أي بغير ضرار، ‏{‏أو فارقوهنّ بمعروف‏}‏‏:‏ أي سرحوهنّ بإحسان، والمعنى‏:‏ اتركوهنّ حتى تنقضي عدّتهنّ، فيملكن أنفسهنّ‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏أجلهن‏}‏ على الإفراد؛ والضحاك وابن سيرين‏:‏ آجالهنّ على الجمع‏.‏ والإمساك بمعروف‏:‏ هو حسن العشرة فيما للزوجة على الزوج، والمفارقة بمعروف‏:‏ هو أداء المهر والتمتيع والحقوق الواجبة والوفاء بالشرط‏.‏ ‏{‏وأشهدوا‏}‏‏:‏ الظاهر وجوب الإشهاد على ما يقع من الإمساك وهو الرجعة، أو المفارقة وهي الطلاق‏.‏ وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة، كقوله‏:‏ ‏{‏وأشهدوا إذا تبايعتم‏}‏ وعند الشافعية واجب في الرجعة، مندوب إليه في الفرقة‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏وأشهدوا‏}‏‏:‏ يريد على الرجعة فقط، والإشهاد شرط في صحتها، فلها منفعة من نفسها حتى يشهد‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ الإشهاد على الرجعة وعلى الطلاق يرفع عن النوازل أشكالاً كثيرة، ويفسد تاريخ الإشهاد من الإشهاد‏.‏

قيل‏:‏ وفائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد، وأن لا يتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعي الثاني ثبوت الزوجية ليرث‏.‏ انتهى‏.‏ ومعنى منكم، قال الحسن‏:‏ من المسلمين‏.‏ وقال قتادة‏:‏ من الأحرار‏.‏ ‏{‏وأقيموا الشهادة لله‏}‏‏:‏ هذا أمر للشهود، أي لوجه الله خالصاً، لا لمراعاة مشهود له، ولا مشهود عليه لا يلحظ سوى إقامة الحق‏.‏ ‏{‏ذلكم‏}‏‏:‏ إشارة إلى إقامة الشهادة، إذ نوازل الأشياء تدور عليها، وما يتميز المبطل من المحق‏.‏

‏{‏ومن يتق الله‏}‏، قال علي بن أبي طالب وجماعة‏:‏ هي في معنى الطلاق، أي ومن لا يتعدى طلاق السنة إلى طلاق الثلاث وغير ذلك، يجعل الله له مخرجاً إن ندم بالرجعة، ‏{‏ويرزقه‏}‏ ما يطعم أهله‏.‏ انتهى‏.‏ ومفهوم الشرط أنه إن لم يتق الله، فبت الطلاق وندم، لم يكن له مخرج، وزال عنه رزق زوجته‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ للمطلق ثلاثاً‏:‏ إنك لم تتق الله، بانت منك امرأتك، ولا أرى لك مخرجاً‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏يجعل له مخرجاً‏}‏‏:‏ يخلصه من كذب الدنيا والآخرة‏.‏ والظاهر أن قوله‏:‏ ‏{‏ومن يتق الله‏}‏ متعلق بأمر ما سبق من أحكام الطلاق‏.‏ وروي أنها في غير هذا المعنى، وهو أن أسر ابن يسمى سالماً لخوف بن مالك الأشجعي، فشكا ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم، وأمره بالتقوى فقبل، ثم لم يلبث أن تفلت ولده واستاق مائة من الإبل، كذا في الكشاف‏.‏ وفي الوجيز‏:‏ قطيعاً من الغنم كانت للذين أسروه، وجاء أباه فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أيطيب له‏؟‏ فقال‏:‏ «نعم»، فنزلت الآية‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ من حيث لا يحتسب امرأة أخرى‏.‏ وقيل‏:‏ ومن يتق الحرام يجعل له مخرجاً إلى الحلال‏.‏ وقيل‏:‏ مخرجاً من الشدة إلى الرخاء‏.‏ وقيل‏:‏ من النار إلى الجنة‏.‏ وقيل‏:‏ من العقوبة، ويرزقه من حيث لا يحتسب من الثواب‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ ومن يتق الله عند المصيبة يجعل له مخرجاً إلى الجنة‏.‏

‏{‏ومن يتوكل على الله‏}‏‏:‏ أي يفوض أمره إليه، ‏{‏فهو حسبه‏}‏‏:‏ أي كافيه‏.‏ ‏{‏إن الله بالغ أمره‏}‏، قال مسروق‏:‏ أي لا بد من نفوذ أمر الله، توكلت أم لم تتوكل‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ بالغ بالتنوين، أمره بالنصب؛ وحفص والمفضل وأبان وجبلة وابن أبي عبلة وجماعة عن أبي عمرو ويعقوب وابن مصرف وزيد بن علي‏:‏ بالإضافة؛ وابن أبي عبلة أيضاً وداود بن أبي هند وعصمة عن أبي عمرو‏:‏ بالغ أمره، رفع‏:‏ أي نافذ أمره‏.‏ والمفضل أيضاً‏:‏ بالغاً بالنصب، أمره بالرفع، فخرجه الزمخشري على أن بالغاً حال، وخبر إن هو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قد جعل الله‏}‏، ويجوز أن تخرج هذه القراءة على قول من ينصب بأن الجزأين، كقوله‏:‏

إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن *** خطاك خفافاً أن حراسنا أسدا

ومن رفع أمره، فمفعول بالغ محذوف تقديره‏:‏ بالغ أمره ما شاء‏.‏ ‏{‏قد جعل الله لكل شيء قدراً‏}‏‏:‏ أي تقديراً وميقاتاً لا يتعداه، وهذه الجمل تحض على التوكل‏.‏ وقرأ جناح بن حبيش‏:‏ قدراً بفتح الدال، والجمهور بإسكانها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 7‏]‏

‏{‏وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ‏(‏4‏)‏ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ‏(‏5‏)‏ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ‏(‏6‏)‏ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ‏(‏7‏)‏‏}‏

وروي أن قوماً، منهم أبيّ بن كعب وخلاد بن النعمان، لما سمعوا قوله‏:‏ ‏{‏والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء‏}‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، فما عدة من لا قرء لها من صغر أو كبر‏؟‏ فنزلت هذه الآية، فقال قائل‏:‏ فما عدة الحامل‏؟‏ فنزلت ‏{‏أولات الأحمال‏}‏‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏يئسن‏}‏ فعلاً ماضياً‏.‏ وقرئ‏:‏ بياءين مضارعاً، ومعنى ‏{‏إن ارتبتم‏}‏ في أنها يئست أم لا، لأجل مكان ظهور الحمل، وإن كان انقطع دمها‏.‏ وقيل‏:‏ إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس، أهو دم حيض أو استحاضة‏؟‏ وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها، فغير المرتاب بها أولى بذلك‏.‏ وقدر بعضهم مبلغ اليأس بستين سنة، وبعضهم بخمس وخمسين‏.‏ وقيل‏:‏ غالب سن يأس عشيرة المرأة‏.‏ وقيل‏:‏ أقصى عادة امرأة في العالم‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ الآية واردة في المستحاضة أطبق بها الدم، لا ندري أهو دم حيض أو دم علة‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏إن ارتبتم‏}‏‏:‏ شككتم في حالهن وحكمهن فلم تدروا ما حكمهن، فالحكم أن عدتهن ثلاثة أشهر‏.‏ واختار الطبري أن معنى ‏{‏إن ارتبتم‏}‏‏:‏ شككتم فلم تدروا ما الحكم، فقيل‏:‏ ‏{‏إن ارتبتم‏}‏‏:‏ أي إن تيقنتم إياسهن، وهو من الأضداد‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ المعنى إن ارتبتم في حيضها، وقد انقطع عنها الدم، وكانت مما يحيض مثلها‏.‏ وقال مجاهد أيضاً‏:‏ ‏{‏إن ارتبتم‏}‏ هو للمخاطبين، أي إن لم تعلموا عدة الآيسة، ‏{‏واللائي لم يحضن‏}‏، فالعدة هذه، فتلخص في قوله‏:‏ ‏{‏إن ارتبتم‏}‏ قولان‏:‏ أحدهما، أنه على ظاهر مفهوم اللغة فيه، وهو حصول الشك؛ والآخر، أن معناه التيقن للإياس؛ والقول الأول معناه‏:‏ إن ارتبتم في دمها، أهو دم حيض أو دم علة‏؟‏ أو إن ارتبتم في علوق بحمل أم لا؛ أو إن ارتبتم‏:‏ أي جهلتم عدتهن، أقوال‏.‏ والظاهر أن قوله‏:‏ ‏{‏واللائي لم يحضن‏}‏ يشمل من لم يحض لصغر، ومن لا يكون لها حيض البتة، وهو موجود في النساء، وهو أنها تعيش إلى أن تموت ولا تحيض‏.‏ ومن أتى عليها زمان الحيض وما بلغت به ولم تحض فقيل‏:‏ هذه تعتد سنة‏.‏ ‏{‏واللائي لم يحضن‏}‏ معطوف على ‏{‏واللائي يئسن‏}‏، فإعرابه مبتدأ كإعراب ‏{‏واللائي يئسن‏}‏، وقدروا خبره جملة من جنس خبر الأول، أي عدتهن ثلاثة أشهر، والأولى أن يقدر مثل أولئك أو كذلك، فيكون المقدر مفرداً جملة‏.‏ ‏{‏وأولات الأحمال‏}‏ عام في المطلقة وفي المتوفي عنها زوجها، وهو قول عمر وابن مسعود وأبي مسعود البدري وأبي هريرة وفقهاء الأمصار‏.‏ وقال علي وابن عباس‏:‏ ‏{‏وأولات الأحمال‏}‏ في المطلقات، وأما المتوفي عنها فعدتها أقصى الأجلين، فلو وضعت قبل أربعة أشهر وعشر صبرت إلى آخرها، والحجة عليها حديث سبيعة‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ من شاء لاعنته، ما نزلت ‏{‏وأولات الأحمال‏}‏ إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏حملهن‏}‏ مفرداً؛ والضحاك‏:‏ أحمالهن جمعاً‏.‏

‏{‏ذلك أمر الله‏}‏‏:‏ يريد ما علم من حكم المعتدات‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ويعظم‏}‏ بالياء مضارع أعظم؛ والأعمش‏:‏ نعظم بالنون، خروجاً من الغيبة للتكلم؛ وابن مقسم‏:‏ بالياء والتشديد مضارع عظم مشدداً‏.‏

ولما كان الكلام في أمر المطلقات وأحكامهن من العدد وغيرها، وكن لا يطلقهن أزواجهن إلا عن بغض لهن وكراهة، جاء عقيب بعض الجمل الأمر بالتقوى من حيث المعنى، مبرزاً في صورة شرط وجزاء في قوله‏:‏ ‏{‏ومن يتق الله‏}‏، إذ الزوج المطلق قد ينسب إلى مطلقته بعض ما يشينها به وينفر الخطاب عنها، ويوهم أنه إنما فارقها لأمر ظهر له منها، فلذلك تكرر قوله‏:‏ ‏{‏ومن يتق الله‏}‏ في العمل بما أنزله من هذه الأحكام، وحافظ على الحقوق الواجبة عليه من ترك الضرار والنفقة على المعتدات وغير ذلك مما يلزمه، يرتب له تكفير السيئات وإعظام الأجر‏.‏ ومن في ‏{‏من حيث سكنتم‏}‏ للتبعيض‏:‏ أي بعض مكان سكناكم‏.‏ وقال قتادة‏:‏ إن لم يكن له إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه، قاله الزمخشري‏.‏ وقال الحوفي‏:‏ من لابتداء الغاية، وكذا قال أبو البقاء‏.‏ و‏{‏من وجدكم‏}‏‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ فقوله‏:‏ ‏{‏من وجدكم‏}‏‏.‏ قلت‏:‏ هو عطف بيان، كقوله‏:‏ ‏{‏من حيث سكنتم‏}‏ وتفسير له، كأنه قيل‏:‏ أسكنوهن مكاناً من مسكنكم مما تطيقونه، والوجد‏:‏ الوسع والطاقة‏.‏ انتهى‏.‏ ولا نعرف عطف بيان يعاد فيه العامل، إنما هذا طريقة البدل مع حرف الجر، ولذلك أعربه أبو البقاء بدلاً من قوله‏:‏ ‏{‏من حيث سكنتم‏}‏‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏من وجدكم‏}‏ بضم الواو؛ والحسن والأعرج وابن أبي عبلة وأبو حيوة‏:‏ بفتحها؛ والفياض بن غزوان وعمرو بن ميمون ويعقوب‏:‏ بكسرها، وذكرها المهدوي عن الأعرج، وهي لغات ثلاثة بمعنى‏:‏ الوسع‏.‏ والوجد بالفتح، يستعمل في الحزن والغضب والحب، ويقال‏:‏ وجدت في المال، ووجدت على الرجل وجداً وموجدة، ووجدت الضالة وجداناً والوجد بالضم‏:‏ الغنى والقدرة، يقال‏:‏ افتقر الرجل بعد وجد‏.‏ وأمر تعالى بإسكان المطلقات، ولا خلاف في ذلك في التي لم تبت‏.‏ وأما المبتوتة، فقال ابن المسيب وسليمان بن يسار وعطاء والشعبي والحسن ومالك والأوزاعي وابن أبي ليلى والشافعي وأبو عبيد‏:‏ لها السكنى، ولا نفقة لها‏.‏ وقال الثوري وأبو حنيفة‏:‏ لها السكنى والنفقة‏.‏ وقال الحسن وحماد وأحمد وإسحاق وأبو ثور‏:‏ لا سكنى لها ولا نفقة‏.‏ ‏{‏ولا تضاروهن‏}‏‏:‏ ولا تستعملوا معهن الضرار، ‏{‏لتضيقوا عليهن‏}‏ في المسكن ببعض الأسباب من إنزال من لا يوافقهن، أو يشغل مكانهن، أو غير ذلك حتى تضطروهن إلى الخروج‏.‏ وقيل‏:‏ هذه المضارة مراجعتها إذا بقي من عدتها قليل، ثم يطلقها فيطول حبسها في عدته الثانية‏.‏ وقيل‏:‏ إلجاؤها إلى أن تفتدي منه‏.‏

‏{‏وإن كن أولات حمل‏}‏‏:‏ لا خلاف في وجوب سكناها ونفقتها، بتت أو لم تبت‏.‏

فإن كانت متوفى عنها، فأكثر العلماء على أنها لا نفقة لها؛ وعن علي وابن مسعود‏:‏ تجب نفقتها في التركة‏.‏ ‏{‏فإن أرضعن لكم‏}‏‏:‏ أي ولدن وأرضعن المولود وجب لها النفقة، وهي الأجر والكسوة وسائر المؤن على ما قرر في كتب الفقه، ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه الاستئجار إذا كان الولد بينهن ما لم يبن، ويجوز عند الشافعي‏.‏ وفي تعميم المطلقات بالسكنى، وتخصيص أولات الأحمال بالنفقة دليل على أن غيرها من المطلقات لا يشاركها في النفقة، وتشاركهن في السكنى‏.‏ ‏{‏وائتمروا‏}‏‏:‏ افتعلوا من الأمر، يقال‏:‏ ائتمر القوم وتأمروا، إذا أمر بعضهم بعضاً؛ والخطاب للآباء والأمهات، أي وليأمر بعضكم بعضاً ‏{‏بمعروف‏}‏‏:‏ أي في الأجرة والإرضاع، والمعروف‏:‏ الجميل بأن تسامح الأم، ولا يماكس الأب لأنه ولدهما معاً، وهما شريكان فيه، وفي وجوب الإشفاق عليه‏.‏ وقال الكسائي‏:‏ ‏{‏وائتمروا‏}‏‏:‏ تشاوروا، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك‏}‏ وقول امرئ القيس‏:‏

ويعدو على المرء ما يأتمر *** وقيل‏:‏ المعروف‏:‏ الكسوة والدثار‏.‏ ‏{‏وإن تعاسرتم‏}‏‏:‏ أي تضايقتم وتشاكستم، فلم ترض إلا بما ترضى به الأجنبية، وأبي الزوج الزيادة، أو إن أبى الزوج الإرضاع إلا مجاناً، وأبت هي إلا بعوض، ‏{‏فسترضع له أخرى‏}‏‏:‏ أي يستأجر غيرها، وليس له إكراهها‏.‏ فإن لم يقبل إلا ثدي أمه، أجبرت على الإرضاع بأجرة مثلها، ولا يختص هذا الحكم من وجوب أجرة الرضاع بالمطلقة، بل المنكوحة في معناها‏.‏ وقيل‏:‏ فسترضع خبر في معنى الأمر، أي فلترضع له أخرى‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏فسترضع له أخرى‏}‏ يسير معاتبة للأم إذا تعاسرت، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى‏:‏ سيقضيها غيرك، تريد‏:‏ لن تبقى غير مقضية وأنت ملوم‏.‏ والضمير في له عائد على الأب، كما تعدى في قوله‏:‏ ‏{‏فإن أرضعن لكم‏}‏‏:‏ أي للأزواج‏.‏

‏{‏لينفق‏}‏ الموسر والمقدور عليه ما بلغه وسعه، أي على المطلقات والمرضعات، ولا يكلف ما لا يطيقه‏.‏ والظاهر أن المأمور بالإنفاق الأزواج، وهذا أصل في وجوب نفقة الولد على الوالد دون الأم‏.‏ وقال محمد بن المواز‏:‏ إنها على الأبوين على قدر الميراث‏.‏ وفي الحديث‏:‏ «يقول لك ابنك انفق عليّ إلى من تكلني»، ذكره في صحيح البخاري‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏لينفق‏}‏ بلام الأمر، وحكى أبو معاذ‏:‏ لينفق بلام كي ونصب القاف، ويتعلق بمحذوف تقديره‏:‏ شرعنا ذلك لينفق‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏قدر‏}‏ مخففاً؛ وابن أبي عبلة‏:‏ مشدد الدال، سيجعل الله وعد لمن قدر عليه رزقه، يفتح له أبواب الرزق‏.‏ ولا يختص هذا الوعد بفقراء ذلك الوقت، ولا بفقراء الأزواج مطلقاً، بل من أنفق ما قدر عليه ولم يقصر، ولو عجز عن نفقة امرأته‏.‏ فقال أبو هريرة والحسن وابن المسيب ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق‏:‏ يفرق بينهما‏.‏ وقال عمر بن عبد العزيز وجماعة‏:‏ لا يفرق بينهما‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 12‏]‏

‏{‏وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا ‏(‏8‏)‏ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ‏(‏9‏)‏ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ‏(‏10‏)‏ رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ‏(‏11‏)‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ‏(‏12‏)‏‏}‏

تقدم الكلام على كأين في آل عمران، وعلى نكراً في الكهف‏.‏ ‏{‏عتت‏}‏‏:‏ أعرضت، ‏{‏عن أمر ربها‏}‏، على سبيل العناد والتكبر‏.‏ والظاهر في ‏{‏فحاسبناها‏}‏ الجمل الأربعة، إن ذلك في الدنيا لقوله بعدها‏:‏ ‏{‏أعد الله لهم عذاباً شديداً‏}‏، وظاهره أن المعد عذاب الآخرة، والحساب الشديد هو الاستقصاء والمناقشة، فلم تغتفر لهم زلة، بل أخذوا بالدقائق من الذنوب‏.‏ وقيل‏:‏ الجمل الأربعة من الحساب والعذاب والذوق والخسر في الآخرة، وجيء به على لفظ الماضي، كقوله‏:‏ ‏{‏ونادى أصحاب الجنة‏}‏ ويكون قوله‏:‏ ‏{‏أعد الله لهم‏}‏ تكريراً للوعيد وبياناً لكونه مترقباً، كأنه قال‏:‏ أعد الله لهم هذا العذاب‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ الحساب في الآخرة، والعذاب النكير في الدنيا بالجوع والقحط والسيف‏.‏

ولما ذكر ما حل بهذه القرية العاتية، أمر المؤمنين بتقوى الله تحذيراً من عقابه، ونبه على ما يحض على التقوى، وهو إنزال الذكر‏.‏ والظاهر أن الذكر هو القرآن، وأن الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ فإما أن يجعل نفس الذكر مجازاً لكثرة يقدر منه الذكر، فكأنه هو الذكر، أو يكون بدلاً على حذف مضاف، أي ذكر رسول‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏رسولاً‏}‏ نعت على حذف مضاف، أي ذكراً، ذا رسول‏.‏ وقيل‏:‏ المضاف محذوف من الأول، أي ذا ذكر رسولاً، فيكون رسولاً نعتاً لذلك المحذوف أو بدلاً‏.‏ وقيل‏:‏ رسول بمعنى رسالة، فيكون بدلاً من ذكر، أو يبعده قوله بعده ‏{‏يتلو عليكم‏}‏، والرسالة لا تسند التلاوة إليها إلا مجازاً‏.‏ وقيل‏:‏ الذكر أساس أسماء النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقيل‏:‏ الذكر‏:‏ الشرف لقوله‏:‏ ‏{‏وإنه لذكر لك ولقومك‏}‏ فيكون رسولاً بدلاً منه وبياناً له‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ الرسول هنا جبريل عليه السلام، وتبعه الزمخشري فقال‏:‏ رسولاً هو جبريل صلوات الله وسلامه عليه، أبدل من ذكراً لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر، فصح إبداله منه‏.‏ انتهى‏.‏ ولا يصح لتباين المدلولين بالحقيقة، ولكونه لا يكون بدل بعض ولا بدل اشتمال، وهذه الأعاريب على أن يكون ذكراً ورسولاً لشيء واحد‏.‏ وقيل‏:‏ رسولاً منصوب بفعل محذوف، أي بعث رسولاً، أو أرسل رسولاً، وحذف لدلالة أنزل عليه، ونحا إلى هذا السدي، واختاره ابن عطية‏.‏ وقال الزجاج وأبو علي الفارسي‏:‏ يجوز أن يكون رسولاً معمولاً للمصدر الذي هو الذكر‏.‏ انتهى‏.‏ فيكون المصدر مقدراً بأن، والقول تقديره‏:‏ إن ذكر رسولاً وعمل منوناً كما عمل، أو ‏{‏إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً‏}‏ كما قال الشاعر‏:‏

بضرب بالسيوف رءوس قوم *** أزلنا هامهن عن المقيل

وقرئ‏:‏ رسول بالرفع على إضمار هو ليخرج، يصح أن يتعلق بيتلو وبأنزل‏.‏ ‏{‏الذين آمنوا‏}‏‏:‏ أي الذين قضى وقدر وأراد إيمانهم، أو أطلق عليهم آمنوا باعتبار ما آل أمرهم إليه‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ ليحصل لهم ما هم عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح، لأنهم كانوا وقت إنزاله غير مؤمنين، وإنما آمنوا بعد الإنزال والتبليغ‏.‏ انتهى‏.‏ والضمير في ‏{‏ليخرج‏}‏ عائد على الله تعالى، أو على الرسول صلى الله عليه وسلم، أو على الذكر‏.‏ ‏{‏ومن يؤمن‏}‏‏:‏ راعى اللفظ أولاً في من الشرطية، فأفرد الضمير في ‏{‏يؤمن‏}‏، ‏{‏ويعمل‏}‏، و‏{‏يدخله‏}‏، ثم راعى المعنى في ‏{‏خالدين‏}‏، ثم راعى اللفظ في ‏{‏قد أحسن الله له‏}‏ فأفرد‏.‏ واستدل النحويون بهذه الآية على مراعاة اللفظ أولاً، ثم مراعاة المعنى، ثم مراعاة اللفظ‏.‏ وأورد بعضهم أن هذا ليس كما ذكروا، لأن الضمير في ‏{‏خالدين‏}‏ ليس عائداً على من، بخلاف الضمير في ‏{‏يؤمن‏}‏، ‏{‏ويعمل‏}‏، و‏{‏يدخله‏}‏، وإنما هو عائد على مفعول ‏{‏يدخله‏}‏، و‏{‏خالدين‏}‏ حال منه، والعامل فيها ‏{‏يدخله‏}‏ لا فعل الشرط‏.‏

‏{‏الله الذي خلق سبع سماواتٍ‏}‏‏:‏ لا خلاف أن السموات سبع بنص القرآن والحديث، كما جاء في حديث الإسراء، ولقوله صلى الله عليه وسلم لسعد‏:‏ «حكمت بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة»، وغيره من نصوص الشريعة‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏مثلهن‏}‏ بالنصب؛ والمفضل عن عاصم، وعصمة عن أبي بكر‏:‏ مثلُهن بالرفع فالنصب، قال الزمخشري‏:‏ عطفاً على ‏{‏سبع سماواتٍ‏}‏‏.‏ انتهى، وفيه الفصل بالجار والمجرور بين حرف العطف، وهو الواو، والمعطوف؛ وهو مختص بالضرورة عند أبي عليّ الفارسي، وأضمر بعضهم العامل بعد الواو لدلالة ما قبله عليه، أي وخلق من الأرض مثلهن، فمثلهن مفعول للفعل المضمر لا معطوف، وصار ذلك من عطف الجمل والرفع على الابتداء، ‏{‏ومن الأرض‏}‏ الخبر، والمثلية تصدق بالاشتراك في بعض الأوصاف‏.‏ فقال الجمهور‏:‏ المثلية في العدد‏:‏ أي مثلهن في كونها سبع أرضين‏.‏ وفي الحديث‏:‏ «طوقه من سبع أرضين ورب الأرضين السبع وما أقللن»، فقيل‏:‏ سبع طباق من غير فتوق‏.‏ وقيل‏:‏ بين كل طبقة وطبقة مسافة‏.‏ قيل‏:‏ وفيها سكان من خلق الله‏.‏ قيل‏:‏ ملائكة وجن‏.‏ وعن ابن عباس، من رواية الواقدي الكذاب، قال‏:‏ في كل أرض آدم كآدم، ونوح كنوح، ونبي كنبيكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيسى، وهذا حديث لا شك في وضعه‏.‏ وقال أبو صالح‏:‏ إنها سبع أرضين منبسطة، ليس بعضها فوق بعض، تفرق بينها البحار، وتظل جميعها السماء‏.‏

‏{‏يتنزل الأمر بينهن‏}‏‏:‏ من السموات السبع إلى الأرضين السبع‏.‏ وقال مقاتل وغيره‏:‏ الأمر هنا الوحي، فبينهن إشارة إلى بين هذه الأرض التي هي أدناها وبين السماء السابعة‏.‏ وقال الأكثرون‏:‏ الأمر‏:‏ القضاء، فبينهن إشارة إلى بين الأرض السفلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏يتنزل الأمر بينهن‏}‏ بحياة وموت وغنى وفقر‏.‏ وقيل‏:‏ هو ما يدبر فيهن من عجيب تدبير‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏يتنزل‏}‏ مضارع تنزل‏.‏ وقرأ عيسى وأبو عمر، وفي رواية‏:‏ ينزل مضارع نزل مشدّداً، الأمر بالنصب؛ والجمهور‏:‏ ‏{‏لتعلموا‏}‏ بتاء الخطاب‏.‏ وقرئ‏:‏ بياء الغيبة، والله تعالى أعلم‏.‏